197
الجزء ٢ · صفحة ٢٦٦وقد جرد ابن العربى الأندلسى المالكى تلميذ الغزالى فى المسجد الحرام على الأول فى كتاب له سماه « أحكام القرآن » إذ قال : قوله تعالى : ﴿ فَلاَ رفَثَ وَلاَ فُسُوقَ ﴾ ، أراد نفيه مشروعاً لا موجوداً لإإنا نجد الرفث فيه ونشاهده ، وخبر الله سبحانه وتعالى لايقع بخلاف مخبره . انتهى . لكن فىعبارته اختصاراً ، أراد فلا رفث ولا فسوق ولا جدال ، وأراد نجد الرفث والفسوق والجدجال ونشاهدها ، ويحتمل الوجه الثالث ، لكن لم أقتصر على قوله نجد الرفث ، لوم يذكر الفسوق ، وكذا حمل القفال - وهو من الشافعية - الآية على النهى إذ قال : ويدخل فى هذا النهى ما وقع نم بعضهم من مجادلة النبى A حين أمرهم بفسخ الحج إلى العمرة ، فشق ذلك عليهم وقالوا أنروح إن منى ومذاكيرنا تقطر منيا ، وإن قلت الفسق والجدال غير الجائز محرمان فى الحج وغيره ، وكذا الرفث غير الجائز ، قلت : نعم لكن ما قبح فى غير الحج كان فى الحج أقبح ، لأنه عبادة مختصة خارجة عن العادة ، ومقتضى الطبع ، ألا ترى منع تغطية الرأس ولبس المخيط والطيب ونحو ذلك ، ولأنه كالذهاب للآخرة ، وكشأن مواقف الآخرة ذلك كلبس الرجل الحرير فى غير الحرب ، وفى غير ضرورة فإنه قبيح ، ولبسه فى الصلاة أو فى الحج قبح ، وكمد الصوت فى القراءة واللفظ لزيادة التحسين حتى تخرج الحروف عن هيئتها ، فإن هقبيح ولا سيما بالقرآن ولا سيما فى الصلاة .
﴿ وما تَفْعلُوا منْ خَير ﴾ : كالصدقة وسائر العبادات الواجبة وغير الواجبة .
﴿ يَعْلَمْهُ الله ﴾ : فيجازيكم عليه ، فحذف الفاء ومعطوفها ، أو كَنَّى بالعلم عن المجازات ، لأنه سببها وملوزمها ، وذلك حث فعل الخير عقب الزجر عن الشر؛ ليفعلوا الخير مكان الشر عموماً ، ويحسنوا الكلام بدل الرفث ، ويبروا مكان الفسق ويافقوا على الصواب ، ويتخلقوا بالصواب عوض الجدال ، ويجوز أن يراد بفعل الخير : ترك الرفث والفسوق والجدال ، أو ترك ذلك ، والوفاء بمناسك الحج ، والتعميم أولى ، روى أسامة بن زيد عن النبى A : « من صنع إليه معروفاً فقال لفاعله جزاك الله خيراً فقد أبلغ فى الثناء » رواه الترمذى والنسائى وابن ماجة ، ونحو هذا قوله A للأنصار حين أووه ونصروه وقاتلوا معه ، وقاسموا الأموال للمهاجرين وقالوا المنة لله ورسوله علينا : « ما رأينا كالأنصار » وإن قلت : هو عالم بالخير والشر ومجاز عليهما معاً فلم ذكر الخير وحده؟ قلت : لأن المقام مقام جلب للخير بعد الزجر عن الشر ، وللإشعار بأنه كريم جواد ، ألا ترى أن الجواد الكريم من الناس كيف يذكر الخير ويجازى به أضعافاً ويفضى عن الشر والجزاء به .
﴿ وتَزَوَّدُوا ﴾ : اكتسبوا الأعمال الصالحات وتحفظوا عما يفسدها ، توافوا بها القيمة كام يتحفظ الإنسان على زاده فى سفره ليلا ينقطع به .