207
الجزء ٢ · صفحة ٢٩٤قال ابن اسحاق : فخرجوا مع القوم حتى أتوا على الرجيع ماء لهذيل غدروا بهم ، فاستصرخوا عليهم هذيلا فلم يرع القوم وهم فى رحالهم إلا الرجال بأيديهم السوف ، وقد غشوهم فأخذوا أسيافهم ليقاتلوا القوم فقالوا لهم : إننا والله لا نريد قتلكم ولكن نريد أن نصيب بكم شيئاً من أهل مكة ، ولكم عهد الله وميثاقه ألا نقتلكم ، فأبوا ، فأما مرثد وخالد وعاصم فقالوا : والله لا نقبل من مشرك عهداً ، وقاتلوا حتى قتلوا ، ومرت رواية البخارى ، وفى رواية له أيضاً : أمَّر عليهم عاصم بن ثابت حتى إذا كانوا بالهداة بين عسفان ومكة ذكروا لحى من هذيل يقال لهم بنو ليحان ، فنفروا لهم بقريب من مائتى رجل تثنية مائة ، ويجمع بينهما بأن المائة الأخرى فى رواية الغفراد غيرة رماة ، وذكرت فى رواية التثنية ، وروى أبو معشر فى مغازيه : فنزلوا بالرجيع سحرا ، فأكلوا تمرة عجوة ، فسقط نواه بالأرض ، وكانوا يسيرون بالليل ، ويكمنون بالنهار ، فجاءت امرأة من هذيل ترعى غنما ، فرأت النويات فأنكرت صغرهن ، فقالت : هذا تمر يثربن فصاحت فى قومها : قد أوتيتم ، فجاءوا فى طلبهم ، فوجدوهم قد كمنوا فى الجبل ، فاتبعوا أثرهم حتى لحقوهم ، وفى رواية ابن سعد : فلما أحسن بهم عاصم وأصحابه لجئوا إلى فدفد ، فأحاط بهم القوم ، فقالوا : لكم العهد والميثاق إن نزلتم إلينا ألا نقتل منكم رجلا ، فقال عاصم ابن ثابت : أيها القوم أما أنا فلا أنزل فى ذمة كافر ، ثم قال : اللهم أخبر عنا رسولك ، فاستجاب الله لعاصم فأخبر خبرهم يوم أصيبوا ، فرموهم بالنبل فقتلوا عاصما ، ونزل إليهم على العهد والميثاق خبيب بن عدى ، وزيد بن الدثنة - بفتح الدال المهملة ، وكسر المثلثة والنون المفتوحة المشددة - وعبد الله ابن طارق ، فانطلقوا بخبيب وزيد بن الدثنة ، حتى باعوهما بمكة ، فابتاع ابن الحارث بن عاصم خبيباً ، فلبث خبيب عندهم أسيراً حتى أجمعوا على قتله استعار من بعض بنات الحارث موسى ليستحدَّ بها - يعنى يحلق عانته كما مر - فغفلت عن ابن لها صغير ، فأقبل إليه الصبى فأجلسه عند ، فخشيت المرأة أن يقتله ، ففزعت ، فقال خبيب : ما كنت لأعذر ، قال قالت : والله ما رأيت أسيراً خيرا من خبيب ، والله لقد وجدته يأكل قطفاً من عنب مثل رأس الرجل ، وإنه لموثق بالحديد ، وما بمكة من ثمرة ، وما كان إلا رزقاً رزقه الله ، وهذه كرامة جعلها الله تعالى لخبيب آية على الكفار ، وبرهانا لنبيه A ، لتصحح رسالته وكرامته لأوليائه ثابتة مطلقة عندنا وعند المتسمين بأهل السنة ، إلا ما وقع به التحدى لبعض الأنبياء كما استثناه القشيرى كإيجاد حيوان بلا أب كناقة صالح ، وطيور عيسى ، وبهذا يقيد إطلاق من يقول : كل معجزة وجدت لنبى جوز أن تقع كرامة لولى ، ولا يكون ذلك علامة على أنه ولى لله إلا أن اختبر ووجد متمسكاً بالأوامر الشرعية ، منتهياً عن النواهى ، وتقدم أنهم خرجوا بخبيب من الحرم ليقتلوه ، فقال : دعونى أصلى ركعين ، وعند موسى بن عقبة أنه صلاهما فى موضع مسجد التنعيم ، وقال : اللهم احصهم عددا ، ولا تبق منهم أحدا ، واقتلهم بددا ، يعنى متفرقين ، فلم يحل احول ومنهم أحد حى .