هميان الزاد إلى دار المعاد امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

28

الجزء ٣ · صفحة ٧٧

﴿ لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَآءَ ﴾ : يتخذ مجزوماً بلا الناهية وكسر للساكن بعده ، ربما اتخذ المؤمن من الكفار ولياً يحبه ، ويشاوره ويساره ويكرمه لقرابة ، أو صداقة جاهلية ، أو لكونه ينفعه ذلك الكافر ، أو يرجوه فيه المنفعة أو يركن ذلك الكافر وينصره ويعظمه ، وهو فى ذلك كله معتقد لبطلان دين الكفر ، ومع ذلك نهاه الله D عن تلك المولاة ، لأنها قد تجر المؤمن إلى تحسين سيرة الكافر ودينه ، وذلك مخرج عن الإسلام ، لأن الموالى للكافر بالرضا لدينه وتصويبه كافر .

وأما معاشرته الجميلة بحسب الظاهر ، فجائزة ، وقيل المراد فى الآية : النهى عن الاستعانة بالكفار فى الغزو وأمور الدين ، ولأولى عموم ذلك كله .

وروى أن عبادة بن صامت رضى الله عنه ، كان له حلفاء من اليهود فقال يوم الأحزاب : يا رسول الله إن معى خمسمائة من اليهود ، وقد رأيت أت أستظهر بهم على العدو ، فأنزل الله تبارك وتعالى هذه الآية .

وعن ابن عباس رضى الله عنهما : كان الحجاج بن عمرو وابن أبى الحقيق وقيس بن زيد وكعب بن الأشرف وهم من اليهود يبطنون بنفر من الأنصار ليفتنوهم عن دينهم فقال رفاعة بن المنذر ، وعبد الله بن جبير ، وسعيد ابن خثيمة لأولئك النفر اجتنبوا هؤلاء اليهود لا يفتنوكم عن دينكم فأبى أولئك النفر إلا مباطنتهم فأنزل الله D هذه الآية . وقال قوم : نزلت فى حاطب ابن ابى بلتعة وغيره ممن كان يظهر المودة لكفار مكة ويكاتبهم . وقيل : كان المنافقون كعبد الله بن أبى يباطنون اليهود ويأتونهم بالأخبار ويرجون لهم الظفر على رسول الله A ، فهى الله المؤمنون أن يفعلوا مثل ما يفعل هؤلاء المنافقون .

﴿ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ : ليس المراد النهى عن قصر المولاة على الكافرين فتجوز موالاة الكفار لمن والى المؤمنين ، بل النهى عن موالاة الكفار مطلقاً لمن والاهم وحدهم أو والى معهم المؤمنين ، بل فى الآية إشارة إلى أن من والى الكفار فقد عادى المؤمنين ولو كان يوالى المؤمنين فى زعمه ، لأن موالاة الكفار معاداة للمؤمنين وأشرة إلى أن فى موالاة المؤمنين مندوحة عن موالاة الكفار كما تقول : كيف تأكل طعام فلان وعنك طعام غيره؟ وقرر الإشارة بقوله :

﴿ وَمَن يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ ﴾ : أى ومن يفعل ما ذكر من كولاة الكفار ، فليس من ولاية الله فى شيء ، يصح أن يسمى ولاية له تعالى ، ولو كان فى زعمه يوالى الله والمؤمنين ، كتب صديق إلى صديقه فى جملة ما كتب إليه أنه من والى عدوك فقد عاداك ، ومن عادى عدوك فقد والاك . . وقال الشاعر :

تود عدوى ، ثم تزعم أننى … صديقك ليس النوك عنك بعازب

فليس أخى من ودنى رأى عينه … ولكنه أخى من ودنى فى المغايب

١٬٠٧٧ / ٧٬٦٨٠