92
الجزء ٣ · صفحة ١٧٣« قبلت صدقتك » وفى رواية : كان زيد وجد فى نفسه فلما رأى ذلك منه النبى A ، فقال : « أما أن الله قد قبلها » وروى أن أبا ذر نزل به ضيف ، فقال للراعى : إيتنى بخير إبلى ، فجاء بناقة مهزولة ، فقال للراعى : لم جئتنى بها؟ فقال الراعى : وجدت خير الإبل فحلها ، فذكرت يوم حاجتم إليه . فقال : إن اليوم حاجتى إليه ليوم أوضع فى حفرتى ، وعن مجاهد : كتب عمر بن الخطاب إلى أبى موسى الأشعرى أن يبتاع له جارية من سبى جلولاء يوم فتحت مدائن كسرى ، فلما جاءته أعجبته ، فقال : إن اله D يقول ﴿ لَنْ تَنَالُوا البِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّون ﴾ فأعتقها .
والإنفاق فى الآية شامل للتحرير ، فإذا حرتت عبداً فقد أنفقت نفسه عليه ، وشامل للنفع بالجاه والطاعة والنفع بالبدن والقتالن فقد يقتل فى الله فيكون أنفق نفسه فى الله . وفى رواية أنه اشترى جارية ، فلما رآها أعجبته فأعتقها ، قيل له : لم أعتقها ولم تصب منها؟ فقال : لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون ، وروى أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أنس بن مالك قال : كان أبو طلحة الأنصارى أكثر رجل مالا بالمدينة من نخل ، وكان أحب مَالهُ إليه برحاء ، وكانت مستقبلة المسجد ، وكان رسول الله A يدخلها ويشرب من مائها وهو طيب ، قال أنس : فلما نزلت هذه الآية ﴿ لَنْ تَنَالُوا البِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّون ﴾ قال أبو طلحة : إن أحب مالى بئر حاء ، وأنها لصدقة لله ، أرجو برها وأدخرها عند الله فضعها يا رسول الله صلى الله عليك وسلم حيث شئت ، فقال رسول الله A : « بخ بخ . . ذلك مال رابخ ، يروح بصاحبه إلى الجنة ، وقد سمعت ما قلت وأنا أرى أن تجعلها فى الأقربين » ، قال أبو طلحة : أفعل يا رسول الله . فقسمها أبو طلحة على أقاربه ، وبنى عمه ، وأنا هو - بتخفيف النون ، وفتح الهمزة قبلها - وتجعلها هو بالمثناة الفوقية ، وقوله فى الأقربين : أراد به أقارب أبى طلحة ، وأفعل : هو مضارع للمتكلم مرفوع ، ولعل قوله يروح بصاحبه إلى الجنة : تفسير من جابر أو من أبى عبيدة ، ثم رأيت أنهُ غير مذكور فى صحيح مسلم وكذا لم يذكره القاضى ، وقال القاضى : رابح أو رايح ، وبرحاء : اسم واحد للبستان المذكور - بفتح بائه وكسرها وفتح الراء وضمها - والمد والقصر ، فيعلا أو فيعلى من البراح : وهى الأرض المنكشفةن وليس بئراً مضافاً إلى حاء ، كما قيل ، والكلام على الحديث مبسوط فى شروح الكتب الحديث ، وتلكم عليه الشيخ أبو عمر ، ومحمد بن أبى ستة فى حاشية الصحيح ، صحيح الربيع جازاهما الله بالجنة .