هميان الزاد إلى دار المعاد امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

52

الجزء ٥ · صفحة ١٩

﴿ يريدون وجهه ﴾ يخلصون دعاءهم لله تعالى ، وهو مما يؤيد أن الدعاء هنا بمعنى العبادة ، والجملة حال من واو يدعون ، قيد عبادتهم بالإخلاص تنبيهاً على أنه عمدة العبادة ، وأنه نهى عن طردهم وأمر بإدنائهم لإخلاصهم .

﴿ ما عليك مِنْ حسابِهِم منْ شئٍ وما مِنْ حِسابِك عليهم مِنْ شئٍ ﴾ طعن هؤلاء المشركون والمؤلفة قلوبهم فى إيمن ضعفاء المسلمين ، كما طعنوا بفقرهم حتى أنهم قالوا : إنما اجتمعوا عندك ، وقبلوا دينك لأنهم يجدون عندك مأكولا وملبوسا ، وليس إيمانهم مخلصاً من قلوبهم ، وقال الله جل وعلا لرسوله حين مال إلى أن يفرد لهم جلوساً أو مجلسا طمعا فى إيمان المشركين الرؤساء ، وإخلاص المؤلفة : ليس عليك حساب إيمانهم فى الأمن الباطن ، ولعلل إيمانهم أعظم من إيمان هؤلاء لو آمن هؤلاء وأخصلوا ، كما طمعت فى إيمانهم وإخلاصهم ، وهؤلاء الضعفاء متقون فى الظاهر ، فاكتف بظاهر أمرهم ، ولو كانوا فى الباطن على غير ما هم عليه فى الظاهر ، فحسابهم عليهم لا يضرك الله به كما أن حسابك لا يتعداك إليهم ، مثل ما يعاقب به اعتاباً فقط ، أو ثواب إيمانك لا يصلهم ، بل هو لك ، أو على فرض وتقدير أنك عصيت حاشاك .

وقيل : ما عليك من حساب فقرهم ورزقهم شئ ، فإن رزقهم على فقرهم إنما هو على الله ، ويجوز عود ضمير الغيبة للمشركين أو المؤلفة قلوبهم ، أى لا تحاسب بشركهم أو معصيتهم حتى تهتم بإيمانهم اهتماما وصل به إلى طرد المؤمنين طمعاً فيه ، وعليك خبر ، وشئ مبتدأ ، ومن صلة للتأكيد ، ومن حسابهم يتعلق بمحذوف حال من شئ على جواز الحال من المبتدأ ، أو حال من ضمير المبتدأ المستتر فى عليك ، أو شئ فاعل لعليك لاعتماده على النفى ، ومن حسابهم حال من شئ ، وكذا إعراب الجملة بعده ، فمن حسابك خبر لشئ أو رافع له على الفاعلية ، وعليهم حال من شئ أو من ضمير الاستقرار ، وصح تقديم الحال على صاحبها المجرور ، لأن الجار صلة للتأكيد .

﴿ فَتطْردهُم ﴾ نصب فى جواب النفيين ﴿ فتَكُون منَ الظَّالمينَ ﴾ بالنصب فى جواب النهى لا ع طف على تطردهم ، لأن تطردهم جواب النفيين ، وتكون لا يصح جواباً لهما من حيث المعنى ، لأنه إذا فرض أن حسابهم عليه لم يكن من الظالمين بمجرد كون حسابهم عليه ، والحاصل أن كونه من الظالمين لا يكون مترتباً على كون حسابهم عليه ، كما ترتب البكاء على الضرب فى قولك : ما ضرب زيد فيبكى ، اللهم إلا أن يقال فى الجملة : إن كون حساب الإنسان على الآخر من دواعى تعنيفه ونقصه حقه بالتهمة والتغليظ ، حتى لا تلحقه من جانبه معرة هذا مسلك الجواز لا ما قيل إن مسالك الجواز عطفه تطرد فى اعتبار ترتيبه على نفس الطرد من غير اعتبار كونه متوقفاً على النفى منتفياً بانتفائه ، لأن الأصل فى المعطوف أن يعتبر فيه معنى اقتضاه إعراب المعطوف عليه .

٢٬٠١٩ / ٧٬٦٨٠