91
الجزء ٥ · صفحة ٨٢كان مالك بن الصيف يخرج من نفر إلى مكة معاندين ليسألوا رسول الله A عن أشياء ، وكان من أحبار اليهود ورؤسائهم ، وكان سميناً ، فاتى رسول الله A ، فقال له رسول الله A : « أنشدك بالله الذى أنزل التوراة على موسى هل تجد فيها أن الله يبغض الخبر السمين؟ » قال : نعم ، قال : فأنت الحبر السمين ، قد سمنت من أكلتك التى تطعمك اليهود ، فضحك القوم فخجل مالك بن الصيف ، فالتفت إلى عمر فقال غضباً : ما أنزل الله على بشر من شئ ، فلما رجع مالك إلى قومه قالوا له : ويلك يا هذا ما الذى بلغنا عنك؟ قال إنه قد أغضبنى ، فلذلك قلت ما قلت ، قالوا : أكلما غضبت قلت بغير حق ، وتقول غضبت فقلت بغير حق ، فأخذوا الرياسة والحبرية منه ، وجعلوهنا إلى كعب بن الأشرف ونزلت الانعام وفيها هذه الآية ناعية عليه .
وقيل : قال ذلك فى المدينة بعد هجرة رسول الله A ، فنزلت الآية ، على الأنعام نزلت جملة إلا بعض آيات نزلن فى المدينة ، قلت : لعله لعنه الله أراد بالبشر سيدنا محمدا رسول الله A ونكره تحقيراً له ، ولما كانت عبارته توهم تعميم نفى الأنبياء كلهم ، والوحى كله ، لأن بشراً وشيئاً نكرتان للعموم ، ولا سيما شئ لذكر من الاستغراقية معه أنكروا عليه ومنعوه وأخرجوه ، وقيل : لما قال : ما أنزل الله على بشر من شئ قال له أصحاب الذين معه ، ويحك ولا على موسى ، فقال : والله ما أنزل الله على بشر من شئ قاله عناداً وغضباً إذ أراد أولا رسول الله A ، ولما لم يحمل أصحابه كلامه على إرادته ، بل على العموم ، تعمد زيادة الكفر لزيادة غضبه .
وكذلك رد الله عليه كلامه على ظاهر عمومه أو رد عليه بالتوراة ، وكون قائل ذلك مالك بن الصيف ، هو قول سعيد بن جبير ، وقال : إنه قاله بالمدينة بعد هجرة رسول الله A ، وقال السدى : قائل ذلك فى فنحاص بن عابورا فى المدينة بعد الهجرة ، وقال مجاهد وابن عباس : إن ذلك منهم نفى للوحى فقط ، ولم ينفعوا عموم النبوة بالرسالة ، بل قالوا لرسول الله A : كانت الأنبياء تأتينا ولا تأتى بكتاب من الله قط ، وأنت تقول جاءنى من الله كتاب .
ومثله ما روى عنه أنهم قالوا : يا محمد أأنزل الله عليك كتاباً؟ قال : « نعم » فقالوا : والله ما أنزل الله من السماء كتاباً ، وفى ذلك نزلت الآية ، وعن محمد بن كعب القرظى ، جاء ناس من يهود إلى النبى A فقالوا : يا أبا القاسم ألا تأتينا بكتاب من السماء كما جاء به موسى ألواحاً من عند الله؟ فنزل :