91
الجزء ٥ · صفحة ٨٣﴿ يسألك أهل الكتاب ﴾ الآية ولما حدثهم بأعمالهم الخبيثة جاء رجل منهم وقال : ما أنزل الله عليك ولا على موسى ولا على عيسى ولا على أحد شيئاً ، فأنزل الله : ﴿ وما قدروا الله ﴾ الآية أنكروا كون التوراة من الله ، فرد الله عليهم بأن قال : من أنزلها؟
وفى رواية عن السدى ومجاهد : أن الآية فى قريش ، وصححه الطبرى ، لأن من أول السورة الكلام فيهم ، ويعترض عليه بأنهم ينكرون أيضا موسى والتوراة وغيرهما ، فكيف يحتج الله تعالى عليهم بإنزال التوراة على موسى ، ويعترض عليهم أيضا بأن الذين يجعلونه قراطيس يبدونها ويخفون كثيراً هم اليهود ، اللهم إلا أن يقال : إن قريشاً لما خالطوا اليهود وأذعنوا بعض إذعان للتوراة كما قال الله تعالى : ﴿ أن تقولوا لو أنزل علينا الكتاب ﴾ الآية احتج عليهم فخوطبوا مع اليهود ، فقيل : ﴿ من أنزل الكتاب الذى جاء به موسى نوراً وهدى للناس ﴾ خطاب لهم ، وتجعلونه قراطيس إلخ خطاب لليهود ، ويدل ما قلنا ، ومعنى جعلهم الكتاب قراطيس جعلهم إياها أوراقاً صغاراً ليتمكنوا من إخفائه ما أرادوا إخفاءه كصفة رسول الله A ، وآية الرجم ، ولا يلزم من ذلك أن لا يظهر وصفه ، ولا أن لا يكتب إلا فى أوراق صغار فقد ظهرت آية الرجم بإحضار ورقتها فى كتاب التوراة ، بل أخبر الله أن غرضهم تصغير الأوراق لذلك الغرض ، ولا يلزم أن تتم حيلتهم والكثير الذى قال الله جل وعلا إنهم يخفوه صفة رسول الله A والرحم وغير ذلك من كل ما الذى لهم غرض فى إخفائه .
والآية ذم لليهود ، وعلى تجزيئهم التوراة ، وجعلهم يكتبون بحقها وكتم بعضها ، ويقدر مضاف أن يجعلون كتبها قراطيس ، أو جاز ليجعلونها فى قراطيس ، وتبدونها نعت لقراطيس ، وتخفونها معطوف عليه ، وتجعلونه حال من هاء به لا كما قيل إن الجمل الثلاث حال من هاء به .
﴿ وعُلِّمتُم ما لم تعْلَموا أنتُم ولا آباؤكُم ﴾ خطاب لليهود ، أى علمكم الله ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم على لسان رسوله محمد A من أمر الغيب ، وتأويل التوراة ، فدل ذلك على أنه نبى الله ، والمراد بالآباء الأجداد ولو علا بعض على بعض وكثروا ، وقال الحسن : الآية سيقت فى تضييعهم النعمة ، إذ جاءهم رسول الله A بذلك ، وعلمه إياهم ولم ينتفعوا به ، بل كفروا به وآذوه ، وقيل : لفكار قريش ، وقيل : لهم ولليهود ، وقيل : للمؤمنين من قريش يذكر الله لهم النعمة بأن علَّمهم من أمر دينهم على لسان نبيه A ما لم يعلموه هم ولا آباؤهم ، والجمهور على الأول ، وجملة علمتم حال من واو تجعلونه على إضمار قد .