93
الجزء ٥ · صفحة ٨٨﴿ إذ الظَّالمون فى غَمَرات الموتِ ﴾ مفعول ترى محذوف تقديره ولو ترى الظالمين إذ هم فى غمرات الموت ، ولما حذف أتى بالظاهر فى موضع هم ، فإذا يتعلق بترى ، وكون أن يقدر مفعول يتعلق به ، إذ أى ولو ترى الواقع إذ الظالمون ، وجواب لو محذوف يقدر بعد قوله : ﴿ تستكبرون ﴾ أى لرأيت أمراً عظيماً ، وفى غمرات الموت خبر الظالمون ، والجملة مضاف إيها ، إذ والظالمون الذين ظلموا أنفسهم بالشرك لقوله تعالى : ﴿ ولقد جئتمونا فُرادَى ﴾ رداً على إنكار البعث ، ولقوله تعالى : ﴿ وما نرى معكم شفعاءكم ﴾ وغمرة الموت شدته الغالبة التى تغشى المختصر من جهاته ، استعارة من غمرة الموت إذا أغرقه ، وذلك على عمومه ، وقيل : المراد بالظالمين المشركون المعهودون وهم اليهود ومن ادعى النبوة ، ويدخل غيرهم بالإلحاق والمعنى .
﴿ والملائِكةُ ﴾ ملائكة الموت ﴿ باسطُو إيدِيهِم ﴾ لعصر أرواحهم من أعماق أبدانهم بسط المديان المعين الملح على من له عليه الحق ، يقول له : لا أبرح من الشمس إلى الظل حتى تقضى حقى ، ولو كان فيه ذهاب بصرك أو روحك ، أو فت كيدك ، وقيل : باسطو أيديهم بالعذاب ، يضربون وجوههم وأدبارهم ، وبهذا قال ابن عباس ، والجملة حال من المستتر فى ترى ، أو فى قوله : ﴿ فى غمرات ﴾ وباسطو اسم فاعل جمع جمع المذكر السالم ونونه حذفت للإضافة ، وكتابة ألفه بعد الواو مخصوص بالمصحف ، لأنها واو فى الاسم ، وبسط اليد كناية عن الطلب والتناول بها أو البطش ، لأنهُ من لم يقصد ذلك لا يمدها إلى غيره إلا لأمر مَّا .
﴿ أخْرِجُوا أنفُسكم ﴾ مفعول لقول محذوف ، وذلك القول خبر ثانٍ أو حال من المستكن فى باسطو ، أى باسطو أيديهم قائلون أخرجوا أنفسكم ، أو باسطو أيديهم قائلين أخرجوا أنفسكم ، وهذا الأمر للإهانة لا ليتمثلوه ، لأنه لا طاقة لهم على إخراج أنفسهم ، وأنفسهم أرواحهم ، لا يقدر الإنسان أن يخرج روح نفسه ، بل إهانة وتعنيف وتغليظ ، فإن مخرجها هو الله جل وعلا ، وهو الرحمن الرحيم بالمؤمنين ، والمسبب فى خروجها ملك الموت وأعوانه .
وقيل المعنى : أخرجوا أنفسكم من العذاب ، أى خلصوا أنفسكم منه وأنجوا إن قدرتم ، أو كان ما زعمتم فى الدنيا حقاً ، وهو أيضا إهانة وتعجيز وتوبيخ على سالف أعمالهم ، والصحيح الأول الموافق لرواية أبى هريرة ، عن النبى A : « الميت تحضره الملائكة فإذا كان الرجل الصالح قالت : أخرجى أيتها النفس الطيبة كانت فى الجسد الطيب اخرجى حميدة وأبشرى بروح وريحان ورب غير غضبان ، فلا يزال يقال لها ذلك حتى تخرج ، ثم يعرج بها إلى السماء ، فيفتح لها فيقال : من هذا؟ فيقولون : فلان ، فيقال : مرحباً بالنفس الطيبة كانت فى الجسد الطيب ادخلى حميدة ، وأبشرى بروح وريحان ورب غير غضبان ، فلا تزال يقال لها ذلك حتى ينتهى بها إلى السماء السابعة ، وإذا كان الرجل السوء وحضرته الملائكة عند موته قالت : اخرجى أيتها النفس الخبيثة كانت فى الجسد الخبيث ، اخرجى ذميمة وأبشرى بحميم وغساق ، وآخر من شكله أزواج ، فلا يزال يقال لها ذلك حتى تخرج »