96
الجزء ٥ · صفحة ٩٥﴿ والشَّمسَ والقَمَر حُسْباناً ﴾ عطف على معمولى عامل واحد ، فالشمس معطوف على محل الليل ، وحسباناً على سكناً ، ويدل لهذا قراءة من قرأ بجر الشمس والقمر عطفاً على لفظ الليل ، فيكون حسباناً أيضا معطوفاً على سكناً ، وهى قراءة أبى حيوة وقيل : فى النصب إنهما منصوبان بفعل محذوف ، أى وجعل الشمس والقمر حسباناً ، كما يدل له قراءة الكسائى ، وجعل الليل سكناً بالفعل ، وليس ما هنا من العطف على معمولى عاملين مختلفين جراً عطفاً على لفظ الليل ، أو نصباً عطفاً على محله ، لأن العامل على كل حال هو لفظ جاعل ، فعلى اعتبار استقباله وما ليته يكون محل الليل نصباً ، وعلى اعتبار ماضويته يكون لا محل نصب له خلافاً المجيز عمل اسم الفاعل الماضوى ، وقرئ بالرفع على الابتداء ، والخبر محذوف ناصب لحسباناً ، أى والشمس والقمر محسوبان حسباناً .
وعلى كل فى حال يقدر مضاف حسباناً أى ذوى حسبان ، أو الى حسبان إذ كان على أدوار تحسب بها الأوقات كتقطيع الشمس الفلك فى سنة إذ تزيد على العام العربى أحد عشر يوماً ، ويقطعه القمر فى ثلاثين يوماً أو تسعة وعشرين ، فيكون ذلك الشمس ، والشهور العربية مذكورة فى القرآن كحساب أجل الديون ، ومواقيت الأشياء ، فيكون ذكر الشمس فى الحساب ذكراً للشهور العجمية ، ولكن السنة العربية والشهور العربية أفصح فى ذلك ، لقوله تعالى : ﴿ قل هى مواقيت للناس ﴾ وهى أفضل لأن أمور الدين عليها كالزكاة والحج ورمضان ، وبالفصول تختلف الاحوال من برد وحرارة وتوسط وغير ذلك ، فيتعلق بذلك نضج الثمار ، وأمر الحرث والنسل ونحو ذلك ، فالحسبان حساب الآجال ومواقيت الأشياء الشمس والقمر ، أو حساب مسيرهما لا يزيدان عيه يوماً أو أقل أو أكثر ، فلا يجاوزان منتهاهما إلى جهة منتهى طول الأيام ، أو منتهى قصرها ، والحسبان مصدر حسب ، وقيل جمع حساب كشهاب وشهبان ، وقال مجاهد الحسبان حسبان الرحى والدولاب وهو العود أو الحديد الذى يدوران عليه لعله شبه القطب بذلك العود أو الحديد ، أعنى شبه قطب أسماء بقطب الرحى أو الدولاب .
﴿ ذلك ﴾ أى جعلهما حسباناً ﴿ تَقْديرُ العَزيزِ ﴾ الغالب لهما القاهر لهما على السير المخصوص ﴿ العِليمِ ﴾ بالتدبير النافع بهما ، وهو التدوير المعتاد لهما .