128
الجزء ٥ · صفحة ١٤٨« قد وفى لك صاحبك فقد أبلغ الإبل إلى أهلك » وهذا الرجل قد أسلم وحسن إسلامه ، وإنما مثلت به للاستجارة بالجن فقط ، وذلك حين بعث رسول الله A .
ومثله ما روى أن تميما الدارى قال : كنت بالشام حين بعث رسول الله A ، فخرجت إلى بعض حاجتى فأذكرنى الليل فقلت : أنا فى جوار عظيم هذا الوادى الليلة ، فلما أخذت مضجعى إذا بمنادٍ ينادى لا تعذ بالجن ، فإن الجن لا تجير أحداً على الله ، فقلت : ما تقول؟ فقال : قد خرج الرسول الأمين رسول الله A وصلينا وراءه بالحجون وأسلمنا واتبعناه ، وذهب الجن ورميت بالشهب ، فانطلق إلى محمد فأسلم ، فلما أصبحت ذهبت إلى دير أيوب فسألت راهباً وأخبرته بالخير فقال : صدقوك تجده يخرج من الحرم ، ومهاجره الحرم ، وهو خير الأنبياء فلا تسبقن إليه ، فأتيته A فأسلمت .
وقيل : معنى بعضنا ببعض الإنس ببعض الإنس ، لأن ظهور انتفاع الإنس بالجن والجن بالإنس نادر ، بخلاف انتفاع الإنس بالإنس ، فوجب حمل الكلام عليه وهو ضعيف ، لأنه لا يصلح للتبكيت والكلام سبق له .
﴿ بلَغنَا أجَلنا الَّذى أجَّلْت لنا ﴾ يا رب ، وهو وقت الموت وبه صرنا إلى هذا الموقف للحساب ، ذهب ذلك التمتع وبقيت الحسرة ، والإضافة فى أجلت للاستغراق مع العمد لعلم وعلمهم بها ، وما علموا إلا بعد حلوله بإرادة الاستغراق صح إطلاق الأجل على آجال لا تحصى ، وذلك قول الحسن والسدى ، وقيل : المراد بالأجل وقت البعث ، فهو مفرد لفظاً ومعنى ، أى وبلغنا هذا الأجل الذى كنا نكذب به تكذيباً ، سهل لنا اتباع الشيطان والهوى فى المعاصى وذلك تحسر .
﴿ قال ﴾ الله بالملائكة ﴿ النَّارُ مَثْواكُم ﴾ مقامكم فهو اسم مكان ، أى موضع ثوابكم أى إقامتكم لا تبرحون منها ، كذا ظهر لى ، ثم رأيته للزجاج ، أو موضع هلاككم من ثوى بمعنى هلك ، والمراد التضرر لا الموت إذ لا موت فى الجنة والنار ، وأما أن يقال مصدر ميمى بمعنى الإقامة أو لهلاك فلا يحتاج إليه أنه يصح بتقدير مضاف أى ذات هلاك أو إقامة ، وقد أغنى عن هذا كونه اسم مكان مبهما .
﴿ خَالدينَ فِيها ﴾ أما من أجاز مجئ الحال من الخبر مطلقاً ولو لم يكن المبتدأ اسم إشارة فيقول : خالدين حال من مثواكم مقدرة ، لأنهم حال قول الله ذلك ليسوا فيها وهى سببية ، لأن الخلود ليست صفة لها بل لهم ، وإنما هى محل الخلود ولم يبرز الضمير لأمن اللبس ، أى خالدين هم ، وعدم وجوب الإبراز قول الكوفيين ، ومن أجاز مجئ الحال من المضاف إليه مطلقا أجاز مجيئه من كاف مثواكم ، وهذا راجع أيضا إلى جواز الحال من الخبر بالمعنى ، لأنه لا يعمل فى ذلك الحال مثوى ، لأن اسم المكان واسم الزمان الميميين ولو تضمنا حدثا لا يعملان عمل الفعل ، فهو أيضا معمول لعامل مضاف وهو المبتدأ ، فكأنه حال من خبره وقيد له .