145
الجزء ٥ · صفحة ١٧٨فقيل : أراد أيضا بقوله : لا يحل الكراهة والظاهر التحريم ، وما ثبت تحريمه بعد نزول الآية لا يشكل ، كما علمت أن المعنى ﴿ لا أجد الآن فيما أوحى ﴾ الآية ، وقد يقال أيضا : الحصر فى الآية إضافى منظور فيه إلى ما حرموه من البحيرة ، وما يذكر معها ، فالحصر إخراج لها لا لغيرها ، ويقوى هذا التأويل قوله فى البقرة : ﴿ إنما حرم عليكم ﴾ الآية ، ومثله فى المائدة ، وهما مدنيتان ، بل المائدة من آخر ما نزل ، وقد ورد فى السنة تحريم أشياء على الظاهر ، كذى مخلب وذى ناب من الوحش قبل نزول المائدة ، بل نزلت الأعراف فى مكة وفيها : ﴿ ويحرم عليهم الخبائث ﴾ فقيل : الخبائث ما استقذره غالب العرب ، وعد بعض منها الضفدع ، وقيل : الخبائث الميتة وما ذكر معها ، وأما النحل فمكية ، وفيها : ﴿ إنما حرم عليكم الميتة ﴾ الآية وقال أيضا فى النحل بآية أخرى على ما فى الأنعام ، والأظهر التأويل فى الكل بأن المراد بالحصر إخراج ما حرموه عن التحريم ، والتقبيح عليهم بنحو قوله : ﴿ تصف ألسنتهم الكذب ﴾ ويبعد القول بنسخ عموم الآيات بخبر واحد فى نحو : ذى مخلب وذى ناب ، وفى بعض الرواية كل ذى ناب من السباع ، وذى مخلب من الطير حرام .
وذكر بعض إنما ورد من التحريم ، واضربت فيه ألفاظ الحديث ، واختلفت فيه الأمة مع ذلك كذى ناب ، فوجه الحكم أن التحريم قد يسوغ فى الكراهية ، وما لم تضطرب فيه التحق بالخنزير ، وقرأ حمزة وابن كثير : « إلا أن تكون ميتة » بتاء التأنيث ، ولو عاد اسم الكون لمذكر ، لأن الخبر مؤنث ، فجاز التأنيث ، وقرأ ابن عامر : « إلا أن يكون ميتة » بالتحتية ورفع ميتة على الفاعلية ، ولا خبر له ، ثم إن الاستثناء منقطع فى جميع تلك القرآت فلا تغفل ، لأن المستثنى الكون ، وليس الكون حيوانا ولا طعاما ، وتباح المبولة ولو لم تغسل ، ودم القلب وحياء الناقة نحوها ، والذكر ولو طرفه خارجا ، وكل ما يكره من الذبيحة بهذه الآية ، وكان محمد بن الحنفية إذا سئل عن ذلك قرأ الآية ، وكان A يكره حياء الناقة ونحوها ، ومسائل المبولة ودم القمل مشهورة فى الفقه .
﴿ أو دَماً مسْفوحاً ﴾ مصبوبا من محله ، وكانت العرب تشويه وتأكله ، فحرمه الله D ، وهو من الطعام فشمله الطعام فى قوله : ﴿ إلا أن يكون ﴾ أى الطعام ، وعلى أن يكون المعنى إلا أن يكون الحيوان فلا إشكال على أن المراد بحيوان ما فيه حياة ، سواء كان حيوانا مستقلا أو حيوانا غير مستقل كالدم ، فإنه فى محاله حى ، أو يقدر إلا أن يكون الحيوان أو نحوه ميتة ، فدخل بقولى : ونحوه الدم ، وخرج بالمسفوح الكبد والطحال ، فإنهما دم حلال الأكل كالجراد والسمك ميتتان يحل أكلهما ، وحل دم العروق كما قال أبو مخلة وعكرمة وإبراهيم النخعى وغيرهم ، ولو كان نجسا حراما لوجب تتبعه من العروق فى اللحم الكون فى جميع القرآت كما مرّ ، ومتصلا بالنسبة إلى الدم فى قراءة رفع ميتة على الحكم بأنه حيوان ، ومنقطعا بالنسبة إلى الدم فى قراءة رفع ميتة على الحكم بأنه حيوان ، ومنقطعا بالنسبة إلى الدم على الحكم بأنه غير حيوان وهو الظاهر ، ومتصلا بالنسبة إلى لحم وفسقا ، فى قراءة رفع ميتة ، وأما فى قراءة نصبه فهو فى الكل منقطع .