هميان الزاد إلى دار المعاد امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

151

الجزء ٥ · صفحة ١٩٢

﴿ ولا تقْتلُوا النَّفس التى حَرَّم الله إلا بالحقِّ ﴾ إلا مقترنين بالحق فى قتلها ، أو إلا قتلا مقترنا بالحق فى قتلها ، كقتلها قصاصا ، وقتل المرتد ، ورجم المحصن ، وقتل الباغى ، وقتل النفس داخل فى الفواحش ، وخص بالذكر إعظاماً له ، وليصح الاستثناء منه لما كان بالحق ، إذ لا حق فى الفواحش يستثنى ، وخص ذكر الأولاد قبل هذا العموم ، لأن قتل الإنسان ولده أفظع قتل ، لأنه أيضا قطع رحم أشد قربا ، ولأنه لا ذنب إذ هو غير مكلف ، ولأنه ضعيف لا ناصر له لضعفه ، ولكون قاتله هو أشد الناس اتصالا به ، وأشدهم موالاة لأمره ، ومخاطبة به ، كذا ظهر لى ، وإن قلت : كيف يستثنى ما كان قتله حقا مما كان قتله قد حرمه الله؟

قلت : وجهه أن الله حرم قتل من قال لا إله إلا الله محمد رسول الله ، فمن هكذا حرم قتله ، إلا أن يأتى بما يحق به قتله كما قال ابن مسعود رضى الله عنه عن رسول A : « لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأنى رسول الله إلا بإحدى ثلاث : زنى بعد إحصان ، وقتل النفس التى حرم الله ، والارتداد »

﴿ ذَلكُم ﴾ أى ما ذكر من النهى عن الإشراك وقتل الأولاد وغيرهم ، وقرب الفواحش ، والأمر بالإحسان للوالدين ﴿ وصَّاكُم به ﴾ أمركم به أمراً عظيما ، التوصية أعظم من الأمر ، لأنها أمر تضمن أمر محافظة ، فإما أن يكون ما مر من الأمر والنهى وصية ، ولا نعلم من مجرد اللفظ أنه وصية ، فأخبرنا الله بهذا أنه أمرنا به توصية ، وإما أن يكون غير وصية ، ولكن إنشاء الإيصاء بقوله : ﴿ وصاكم به ﴾ وإنما أن يكون سمى ما أكل به الكلام كله أيضا ، لأنه أكله بذكر : قل وتعالوا وأتل وحرم وربكم وعليكم ، وأكد لا تشركوا به شيئا نكرة فى سياق النفى إذ لم تذكر معرفة وأحسنوا ب « إحساناً » وناب عنه ، أو تحسنوا بإحسانا ، وأكد ﴿ لا تقتلوا أولادكم من إملاق ﴾ بنحن نرزقكم وإياهم ، والزجر عن الفواحش بلا تقربوا ، وبما ظهر منها وما بطن ، والزجر عن قتل النفس بقوله : ﴿ حرم الله ﴾ إذ لو قيل يعدلون ولا تشركوا به ، وأحسنوا بالوالدين ، ولا تقتلوا أولادكم من إملاق ، ولا تفحشوا ولا تقتلوا النفس إلا بالحق لكفى ، ومعنى التوصية بما أمر به ونهى عنه التوصية بالمحافظة عليهما بفعل المأمور به ، واجتناب المنهى عنه .

٢٬١٩٢ / ٧٬٦٨٠