86
الجزء ٨ · صفحة ٢٦٩﴿ فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ ﴾ عليهم جميعا؛ لأن منهم من عَبَد العجل ، ومنهم من لم يقاتلهم على ذلك ، ولم يغلظ عليهم إلا الذين ساروا معه . وإنما رجع حد استيفاء الأربعين ذى القعدة وعشرٍ من ذى الحجة ونزول التوراة .
وقيل : قبل ذلك ثم رجع ﴿ أسِفًا ﴾ شديدَ حزنٍ بما فعلوا .
وقيل : شديد غضب؛ لقوله A : موت الفجأة رحمة للمؤمن ، وأخذة أسف للكفر . وعليه الحسن . ﴿ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا ﴾ ومدهم أن يعطيهم التوراة وهى صلاح لهم ولا عقابهم دنيا وأخرى ، ولا وعد أحسن من ذلك .
وقيل : حسنا معناه : صادق . وهذه نعمة يجب أن تشكروه عليها ، فكيف عبدتم غيره؟!
وقيل : المراد الوعد بالثواب فى الآخرة على التمسك بدين . كانت التوراة ألف سورة ، كل سورة ألف آية يحمل أسفارها سبعون جملا .
﴿ أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ ﴾ الزمان ، وهو زمان مفارقته عليه السلام لهم . وقال مجاهد : الموعد ﴿ أَمْ أَرَدْتُمْ أَن يَحِلَّ ﴾ يجب .
وقال الشيخ هود : إن بعضا قرأه بضم الحاء أى ينزل ، وقال أبو عمرو الدانى : الكسر فى هذا مجمع عليه .
ووجه الجمع بينهما أن المجمعين على الكسر القراء السبعة أو العشرة؛ لأن كلامهم فى قراءتهم والقارئ يضمها غيرهم .
﴿ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ ﴾ هو ضد الرضى أو المراد به العذب . وذلك لأن الغضب سبب العذاب ، وهو أولى بقراءة الضم من ضد الرضى والسكر جائز ﴿ مِنْ رَبِّكُمْ ﴾ لعبادة مّا هو فى غاية الغباوة حتى يضرب به المثل فى الغباوة ، وعدم قتل العابدين والتغليظ عليهم ، أى أم أردتم فعلا يوجب الغضب . والمراد التوبيخ ، فإن الإنسان لا يريد غضب الله .
ويحتمل أن يكون الخطاب فى ذلك كله لعابدى العجل فقط ، وهو أنسب بما بعد ، فهو أولى ، لئلا يجعل الخطاب فيما ذكر عاما ، وفيما بعد خاصا بعابديه ولو كانت القرينة موجودة .
﴿ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِى ﴾ مصدر ميمى مضاف للمفعول ، أى وعدى ، أى وعدكم إياى بالثبات على الإيمان بالله سبحانه ، والقيام بما أمرتكم به ، أو وعدكم إياى بالمحى بعدى .
ويصح أن يكون اسم زمان أو مكان أى تركتم الزمان الذى تواعدنا أن نحضر فيه أو المكان الذى تواعدنا الاجتماع به . وذلك زمان أخذ التوراة والمناجاة ومكانهما .
وقيل : المعنى فوجدتم الخلف فى وعدى لكم العود ، بعد الأربعين ، من أخلفت وعده : وجدت الخلف فيه ، وهو مضاف للفاعل ، ولكن التفسير لا يناسب ترتيب قوله : ﴿ فأخلفتم موعدى ﴾ على ما قبله ، ولا على الشق الذى يليه وهو ﴿ أم أردتم ﴾ الخ . . . ، ولا يناسب الجواب بقوله : ﴿ قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا ﴾ أى ما أخلفناه بأَن ملكنا أمرنا؛ إذ لو خلينا وأمرنا ، ولم يسوّل لنا السامرى لما أخفناه .
وقرأ حمزة والكسائى بضم الميم ، وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر بكسرها ولكل مصادر ملكت الشئ .