109
الجزء ٨ · صفحة ٤٥١﴿ فَإِنْ تَوَلّوا ﴾ عن التوحيد والإسلام .
{ فَقُلْ آذَنْتُكُمْ أعلمتكم ، من أَذِن بمعنى عَلِم . دخلت عليه همزة النقل ، لكن كثر استعماله فى الإخبار والإنذار ، أى آذنتكم بما أمرنى ربى ، أو بالحرب؛ إذ توليتم عن الإسلام والتوحيد .
﴿ عَلَى سَوَاءٍ ﴾ حال من الفاعل والمفعول ، أى كائنين على استواء فى الإعلام . أعلمكم ربى بلسانى ، كما أعلمنى بلسان جبريل ، بما أمرتكم به من التوحيد والإسلام ، أو الحرب ، أو على استواء فى علم ذلك ، ولست مختصا به دونكم؛ لتتأهبوا . فهو معهم ، كرجل بينه وبين أعدائه هدنة ، فأَحس منهم بغدر ، فنبذ إليهم العهد ، وشَهَر العبد وأعلمهم جميعا بذلك . والحال مقدرة؛ فإن الاستواء إنما حصل بعد تمام الإعلام .
ويجوز تعليقه لمحذوف ، ونعت لمصدر محذوف ، أى إيذانا ثابتا على سواء ، أو حال من الفاعل ، أى أعلمتكم ، وأنا على عدل ، واستقامةِ رأى بالبرهان ، لا كاذبا .
وقدر بعضهم : آذنتكم أنى على سواء .
﴿ وَإنْ أَدْرِى ﴾ أى ما أدرى .
﴿ أَقَرِيبٌ ﴾ مبتدأ ، وفاعله المغنى عن الخبر محذوف ، أى ما توعدون ، أو يقدر ضمير منفصل عائد لما .
﴿ أَمْ بَعِيدٌ ﴾ مبتدأ ﴿ مَا تُوعَدُونَ ﴾ فاعل أغناه عن الخبر .
ويجوز كون ما توعدون المذكور فاعلا لقريب ، وفاعل بعيد محذوف . وأولى من ذلك جعل قريب خبرا مقدما ، وبعيد معطوفاً عليه ، عطف مفرد على مفرد ، بخلافه على ما سبق ، فعطف جملة على أخرى ، وما مبتدأ مؤخر ، لسلامته من الحذف ولا سيما أن الفاعل على الصحيح لا يحذف ، ولو لدليل ، إلا فى مواضع مخصوصة . نعم يصح التنازع ، فيعمل المهمل فى ضمير ما ، وما فاعل للمعمل ، أغنى عن خبره ، لكن فى ذلك أيضا إشكال ، ظهر لى بعد ما قلت ذلك؛ فإن الوصف إنما يرفع ظاهرا أو ضميرا بارزا منفصلا ، يغنى عن خبره ، لا ضميرا ، مستترا .
وإن قيل : إن المهمل عمل فى منفصل محذوف ، فقد علمت أن الفاعل لا يحذف .
وأجاز الكسائى حذف الفاعل من المهمل ، إذا كان ضميراً . واطلعت بعد هذا على أن ابن هشام والصبان بحثا فى المسألة كبحثى ذاك ولكنه سُمع : أقائم الزيدان أم قاعدان؟ بعطف . فقال ابن هشام : قاعدان مبتدأ فيه ضمير مستتر ، مغن عن الخبر ، توسعا فى الثوانى فيجوز مثله فى الآية ، لكنه ضعيف . والذى توعدون هو غلبة المسلمين عليهم ، من الإبعاد ، أو الوعد؛ لجواز استعمال الوعد فى الشر بقرينة ، أو الذى يوعدون : البعث . والمراد : أنه لا محالة كائن .