111
الجزء ١ · صفحة ٤٩٣وإن شئت فقل هى للتفريق ، فإن التقسيم فه تفريق ، وإن شئت فقل هى للتفصيل ، وعلى مذهب ابن الشجر حذف فى الآية مضاف و واو وجملتان فعليتان ، والتقدير : وقال بعضهم يعنى اليهود لن يدخل الجنة إلا من كان هودا ، وقال بعضهم يعنى النصارى لن يدخل الجنة إلا من كان نصارى ، فأقام أو نصارى مقام ذلك كله ذكر فى كونوا هوداً أو نصارى ، قال ابن هشام وفيه تعسف .
﴿ تِلْكَ ﴾ : القولة التى قالها كل واحد من الفريقين فإنها قولة واحدة ما اختلفت إلا بلفظ يهودا ، ولفظ نصارى أو تلك القولة المذكورة عنهم إجمالا ، وهى لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى ، أو تلك الجملة جملة المقالات السابقة ، وهن عدم ودهم نزول الخير على المسلمين من ربهم ، وود كثير منهم رد المسلمين كفاراً ، وادعاء اليهودُ عدم دخول أحد الجنة غيرهم ، وود النصارى عدم دخول أحد الجنة غيرهم ، وإن قلت كيف يخبر عن المفرد بالجمع فى الوجه الأول أو الثانى مع أنه ما تضمن المفرد فيهما إلا أمنيتين : أمنية اليهود وهى عدم دخول أحد الجنة سواهم ، وأمنية النصارى وهى عدم دخول أحد الجنة سواهم؟ قلت : ساغ ذلك لأن الاثنين جماعة مجازاً أو حقيقة أو لتقدير مضاف ، أى أمثال تلك الأمنية وهى تلك القولة .
﴿ أَمَانِيُّهمُ ﴾ : شهواتهم الباطلة التى يتمنونها ، وإنما ظهرت الضمة على الياء ولم تثقل عليها لأنها مشددة ، فكان قبلها ياء ساكنة مدغمة ، والضمة والكسرة لا تثقلان على الواو والياء المسكن ما قبلهما كظبى ودلو ، فالأمانى كقناطر جمع قنطار لا كقناطر جمع قنطرة ، والمفرد أمنية بضم الهمزة وإسكان الميم وكسر النون وتشديد الياء ، وأصله أمنوية بضم النون ، اجتمعت الواو ساكنة والياء بعدها متحركة ، فقلبت ياء وأدغمت الياء فى الياء وقلبت الضمة قبلها كسرة للمناسبة ، فهى أفعولة من التمنى كأضحوكة من الضحك ، وأعجوبة من العجب ، والجملة معترضة بين قوله : ﴿ وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى ﴾ ، وقولهُ :
﴿ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُم ﴾ : لأن هذا متصل بقوله : ﴿ لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى ﴾ فى المعنى ، ألا ترى أن المطالبة بالبرهان إنما هى على دعواهم لا يدخل الجنة سواهم ، وتسمية مثل ذلك اعتراضاً نحويا غير معهود ، وإنما هو معنوى ، والمعنى أحضروا ما يدل على دعوى اختصاصكم بالجنة دلالة ظاهرة ، فإن البرهان هو الدليل الذى يوقع اليقين ، وخطاب الجمع لليهود والنصارى ، أى قل يا محمد لليهود هاتوا برهانكم على دعواكم أنه لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً ، وللنصارى هاتوا برهانكم على دعواكم أنه لن يدخل الجنة إلا من كان نصارى
﴿ إن كنتم صادقين ﴾ : فى دعواكم :