125
الجزء ٢ · صفحة ٣١وروى البخارى فى صحيحه عن ابن عبَّاس أن أول ما اتخذت النساء المنطق من قبل أم إسماعيل ، اتخذت منطقاً لتعفى أثرها على سارة ، ثم جاء بها إبراهيم وبابنها إسماعيل ، وهى ترضعه حتى وضعهما عند البيت عند درجة فوق زمزم من أعلى المسجد ، وليس بمكة يومئذ أحد ، وليس بها ماء ، فوضعهما هناك ووضع عندهما جراباً فيه تمر وسقاء فيه ماء ، ثم ولى إبراهيم منطلقاً فتبعته أم إسماعيل ، فقالت : يا إبراهيم إلى أين تذهب وتتركنا ، فى الوادى الذى ليس فيه أنيس ولا شئ؟ قالت لهُ مراراً وجعل لا يلتفت إليها . فقالت له : أألله أمرك؟ فقال : نعم . فقالت : إذاً لا يضيعنا . ثم رجعت فانطلق إبراهيم حتى إذا كان عند الثنية حيث لا يريانه ، استقبل بوجهه البيت ، ثم دعا بهؤلاء الدعوات ، فرفع يديه فقال : ﴿ ربَّنا إنِّى أسْكنتُ مِنْ ذُريَّتى بوادٍ غَيْر ذِى زَرعٍ ﴾ حتى بلغ : ﴿ يشْكُرون ﴾ وجعلت أم إسماعيل ترضع إسماعيل وتشرب من ذلك الماء ، حتى نفذ ما فى السقاء عطشت وعطش ابنها ، وجعلت تنظر إليه يتلوى فانطلقت كراهة أن تنظر إليه ، فوجدت الصفا أقرب جبل فى الأرض يليها ، فقامت عليه ثم استقبلت الوادى تنظر هل ترى أحداً ، فهبطت من الصفا حتى بلغت الوادى ، رفعت طرف درعها فسعت سعى الإنسان المجهود ، حتى جاوزت الوادى ، ثم أتت المروة فقامت عليه فنظرت هل ترى أحداً فلم تر أحداً ففعلت ذلك سبع مرات . قال ابن عباس : قال النبى ، A ، « فلذلك سعى الناس بينهما » فلما أشرفت على المروة سمعت صوتاً فقالت صه . تريد نفسها ، ثم تسمعت فسمعت أيضاً ، فقالت قد أسمعت إن كان عندك غوث ، فإذا هى بالملك عند موضع زمزم ، فبحث بعقبه أو قال بجناحه حتى ظهر الماء ، فجعلت تخوضه بيدها هكذا ، وجعلت تغرف الماء فى سقائها وهو يغور بعد ما تغرف . قال ابن عباس : قال النبى ، A : « يرحم الله أم أخى إسماعيل ، لو تركت زمزم ، أو قال : لو لم تغرف كانت زمزم عيناً معينا » ، قال : فشربت وأرضعت ولدها . فقال لها الملك : لا تخافى الضيعة ، فإن ها هنا بيت الله يبنيه هذا الغلام وأبوه ، وإن الله لا يضيع أهله . وكان البيت مرتفعا من الأرض مثل الرابية ، تأتيه السيول وتأخذ عن يمينه وعن شماله ، فبقيت أم إسماعيل كذلك حتى مرت بهم رفقة من جرهم من طريق كداء ، فغزلوا فى أسفل مكة ، فرأوا طائراً عاكفا ، فقالوا : إن هذا الطائر ليدور على ماء ، وعهدنا بهذا الوادى ما فيه ماء ، فأرسلوا رجلا أو رجلين ، فإذا هما بالماء ، فرجعا فأخبرا القوم فأقبلوا وأم إسماعيل عند الماء ، فقالو : أتأذنين لنا ننزل عندك؟ قالت : نعم ، ولكن لا حق لكم فى الماء . قالوا : نعم . قال ابن عباس : قال النبى ، A ، فألفى ذلك أم إسماعيل وهى تحب الإنس ، فأرسلوا إلى أهليهم فنزلوا معهم ، حتى إذا كانوا بها أهل أبيات منهم ، وشب الغلام وتعلم العربية ، وأعجبهم حتى شب فأدرك ، فزوجوه امرأة منهم وماتت أم إسماعيل فجاء إبراهيم عليه السلام بعد ما تزوج إسماعيل يطالع أمره ، فلم يجد إسماعيل فسأل امرأته فقالت : خرج يبتغى لنا ، وفى رواية ذهب يصيد لنا ، ثم سألها عن عيشهم وهيئتهم فقالت : نحن بشر ، نحن فى ضيق وشدة ، وشكت إليه .