هميان الزاد إلى دار المعاد امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

105

الجزء ٣ · صفحة ٢٠٦

﴿ وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسوداً ﴾ ومثل هذا كثير ، ثم إن عبارة بعض : تبيض وجوه المؤمنين ، وتسود وجوه الكافرين ، وعبارة بعض : تبيض وجوه المخلصين ، وتسود وجوه المنافقين ، وعليه فيقاس على وجوه المنافقين ، وجوه المشركين ، أو ذلك من قائله تمثيل ، وعن عطاءك تبيض وجوه المهاجرين والأنصار ، وتسود وجوه بنى قريظة والنضير ، وقيلك تبيض وجوه من اسلم وبقى على الإسلام ، وتسود وجوه المرتدين ، وقيل : تبيض وجوه من كان على السنة ، وتسود وجوه أهل البدع ، والأهواء كالصفرية وسائر الفرق المبطلة ، ولعل التخصيص فى هذه الأقوال ، تمثيل وإن كان التفسير أحمل عليه غيره ولا دليل لأصحاب التخصيص ، فالأولى التعميم للمؤمنين والكفار ، والوعيد إنما هو مخالفة دين الله ، فعليها : الأسوداد ، وعلى الموافقة الابيضاض . فمن خالف الجماعة ، أعنى الحق الذى يجب على الناس أن يكونوا فيه جماعة واحدة ، فهو الذى يسود وجهه ، وهو المراد فى حديث أبى ر من رواية أبى داود قول رسول الله A : « من فارق الجماعة شبراً فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه » وريقة والإسلام : عقدة استعارة من ربقة الحبل ، وهو عروة فيه ، والجمع : ربق . وذلك أنه تجعل عدة عرى فى حبل واحد . وفى حديث عمر رضى الله عنه أن رسول الله A قال « من سره بحبوحة الجنة ، فعليه بالجماعة ، فإن الشيطان مع الفذ ، وهو من الإثنين ابعد » البحبوحة : الوسط ، والفذ : الواحد ، والمرادك من خرج عن الجماعة المأمور بالكون معها ، ولا تعتب الكثرة ، فإنه لو قيل لك كن مع الجماعة الذين يفعلون كذا ، ورأيت واحداً يفعله ، لفهمت أنك تكون معه فما تجد أحداً على السنة والقرآن تحقيقاً غير أهل الدعوة ، وأنا أدركت ذلك ، إدراكاً تاماً لا تقليداً ، والحمد لله ، ورايت من قرب إلى ديانتنا من قومنا تارة ، يؤولون ما تأويله لتظاهر أدلته ، وقربها جداً ولزومها ، وتارة يبقونه على ظاهرة نظقاً ما وجب تأويله ، ويكلون تحقيقه إلى الله مع علمهم باستحالة الجرى على ظاهره ، كالراجع عن علمه ، وربما وجدنا كذباً كذبوه فى كتبهم منه قول بعض منهم : الذين تفرقوا واختلفوا هم من خرج عن على ، عند قبوله التحكيم . فن أمر الحكمين لم يكن حين نزلت الآية ، بل فى إمارة على ، وتفرقوا واختلفوا صيغتان ماضويتان ، ولا دليل على صرفهما للاستقبال ، ولا على التعيين لم ذكر ، بل دلت الأدلة على خلوصهم من ذلك ، وعلى أنهم المحقون الذين تبيض وجوههم ، فمن خالفهم فهو داخل فى قوله تعالى :

﴿ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكْفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ﴾ : وهو يعم كل من كفر بعد إيمانه واعلم أنه قد خرج عن على حين أذعن للحكومة ، صحابة كثيرون ، رضى الله عنم وتابعون كثيرون ، فترى المخالفين يذمون ، ويشتمون من خرج عنه ، ويلعنونه غير الصحابة الذين خرجوا عنه ، والخروج واحد ، إما حق فى حق الجميع ، أو باطل فى حق الجميع ، وسيأتيك إن شاء الله أن الخروج فى جنب الصحابة والتابعين معاً ، فإذا كان حقاً فى جنب الكل فكيف يشتمون من خرج من غير الصحابة؟ وإن كان حقا فى جنب الكل ، فقد استحق الصحابة الشتم أيضاً - عافاهم الله - وترى المخالفين يروون أحاديث لم تصح عن رسول الله A ، وقد يصح الحديث ويزيدون فيه ، وقد يصح الحديث ويأولونه فينا وليس فينا ، ومن ذلك ما رواه الزمخشرى عن أبى أمامة : أن الذين اسودت وجوههم هم الخوارج ، وأنه لما رآهم على درج دمشق دمعت عيناه ، ثم قال كلاب النار هؤلاء شر قتلى تحت أديم السماء ، وخير قتلى تحت أديم السماء ، الذين قتلهم هؤلاء ، فقال له أبو غالب : أشىء لقوله برايك؟ أم أشىء سمعته من رسول الله A ؟ قال : بل سمعته من رسول الله A غير مرة .

١٬٢٠٦ / ٧٬٦٨٠