54
الجزء ٤ · صفحة ٣٣٦وفرقة واحدة فى عهد عمر رضى الله عنه : قوم جبلة بن الأيهم ، لما كان أبوه عبيدة بن الجراح رضى الله عنه فى بلاد الشام ليفتحه من جهة أبى بكر ، ثم من جهة عمر رضى الله عنهما ، سار يطلب فتح بعلبك ، فأشرف عليه راكب نجيب ، فاذا هو بأسامة بن زيد الطائى فقال : يا أسامة من أين أقبلت؟ فأناخ نجيبه وسلم على أبى عبيدة رضى الله عنه وعلى المسلمين ، وقال : أتيت من المدينة ، وسلم اليه كتاباً من عمر بن الخطاب ورضى الله عنه ، ففضه أبو عبيدة ، واذا فيه :
لا إله إلا الله محمد رسول الله A ، بسم الله الرحمن الرحمن من عبد الله أمير المؤمنين ، الى أمين الأمة ، سلام عليك فانى أحمد الله الذى لا إله إلا هو ، وأصلى على محمد نبيه A .
أما بعد : فلا مرد لقضائه وقدره ، ومن مكتب فى اللوح المحفوظ كافراً فلا ايمان لهن وذلك أن جبلة بن الأيهم الغسانى ، كان قدم ببنى عمه وسراة قومه ، فأنزلتهم وأحسنت اليهم ، وأسلموا على يدى ، وفرحت بذلك اذ شد الله عضد الاسلام والمسلمين بهم ، ولم أعلم ما كمن فى الغيب ، وأنا سرنا الى مكمة حرسها الله وعظمها ، نطلب الحجن فطلب جبلة بالبيت أسبوعاً ، فوطىء الرجل من فزارة ازاره فسقط أزاره عن كتفه ، فالتفت الى الفزارى وقال : يا ويلك كشفتنى فى حرم الله تعالى ، فقال : والله ما تعمدتك ، فلطم جبلة بن الأيهم الفزارى لطمة هشم بها أنفه وكسر ثناياه الأربع ، فأقبل الفزارى الى مستعديا على جبلة ، فأمرت باحضاره وقلت له : ما حملك على أن لطمت أخاك فى الاسلام ، وكسرت ثناياه الأربع ، وهشمت أنفه؟
فقال جبلة : أنه وطىء ازارى برجله فحله ، ووالله لولا حرمة هذا البيت لقتلته ، فقلت له : قد أقررت على نفسك ، فاما أن يعفو عنك واما أن آخذ له منك بالقصاص ، فقال : يقتص منى وأنا ملك وهو سوقة؟ قلت : قد شملكما الاسلام فما تفضله الا بالعافية ، فقال : تتركنى الى غد وتقتض منى ، فقلت للفزارى : تتركه الى غد؟ قال : نعم ، فلما كان من الليل ركب فى بنى عمه وتوجه الى الشام الى طاغية الشام ، وأرجو أن الله تعالى يظفرك به ، وانزل على حمص ولا تتعد عنها ، فان صالحك أهلها فصالحهم ، وان أبوا فقاتلهم ، وابعث عيونك الى أنطاكية ، وكن على حذر من المنتصرة ، والسلام عليكم ورحمة الله وعلى جميع المسلمين .
وفى رواية أن جبلة لطم الفزارى ففقأ عينه ، فتظلم الى عمر فحكم له بالقصاص الا أن يعفو عنه ، فقال جبلة : أنا أشتريها بألف فأبى الرجل ، فلم يزل يجزل فى العطاء الى أن بلغ عشرة آلاف ، فأبى الرجل الا القصاص ، فاستنظره عمر فهرب الى الروم وارتد والعياذ بالله تعالى ، وكان من ملوك غسان ، وندم جبلة على ما فعله من الردة من غير اقلاع وأنشد :