54
الجزء ٤ · صفحة ٣٣٨واسعدهم به فارس .
ومشى عمر بن الخطاب رضى الله عنه مع المغيرة بن شعبة ، وكان المغيرة أعور ، عو بنبلة فى غزوة من غزوات الشام ، وتسمى تلك الوقعة وقعة التعوير ، اذ عورت فيها أكثر من ألف عين من المسلمين فقال له عمر رضى الله عنه : هل أصدت بعينك هذه شيئاً يا مغيرة؟ فقال له المغيرة : نعم يا أمير المؤمنين ، فقال له عمر : ثم عورت ، فقال له المغيرة : ثم عورت ، فقال له عمر : ليعورن الاسلام كما عورت ، ثم ليعمى حتى لا يدرى من له ولا من عليه ، فاذا أتى عليه مائة وستون سنة رد الله عليه وسمعه وبصره ، يوقد كوقد الملوك طيبة أرواحهم ، صالحة أعمالهم فسأله المغيرة : من أى ماء يا أمير المؤمنين أمن ماء الحجاز أو ماء العراق أو من ماء الشام؟ فولى عمر رضى الله عنه ، وتركه .
ثم أن الفرس وليت بالمغرب بتيهرب على رأس مائة وستين سنة ، وقال بعض أصحابنا : ان ولايتهم على رأس اثنين وستين سنة ، وقال السدى : القوم فى الآية الأنصار ، وقيل ألفان من النخع وخمسة آلاف من كندة وبجيلة ، وثلاثة آلاف من أخلاط الناس ، جاهدوا يوم القادسية ، والآية فى جميع تلك الأقوال اخبار بالغيب .
وقال عياض بن علم الأشعرى : لما نزلت أشار الى قوم أبى موسى الأشعرى وهم أهل اليمن ، وقال أبو هريرة عنه A : « أتاكم أهل اليمن أرق أفئدة وألين قلوباً الايمان والحكمة يمانية » وجملة : ﴿ فَسَوفَ يَأتِى اللهُ ﴾ جواب الشرط ، والعائد الى من محذوف ، أى فسوف يأتى الله بعده أو بدله بقوم يحبهم ويحبونه ، أو الجواب محذوف ناب عنه تعليله ، أى من يرتدد منكم عن دينه فلن ينقطع الدين بارتداده ، لأنه سوف يأتى الله بقوم .
﴿ أَذِلَةٍ عَلَى المُؤْمِنِينَ ﴾ : جمع ذليل وعداه بعلى لا باللام لتضمنه معنى الحنو والعطف ، أى عاطفين على المؤمنين خضوعاً وتواضعاً ، أو للاشارة الى أنهم مع علو طبقتهم على المؤمنين تواضعوا لهم ، أو ذكرت على المشكالة قوله :
﴿ أَعِزَّةٍ عَلَى الكَافِرينَ ﴾ : جمع عزيز ، وقرأ ابن مسعود غلظاً على الكافرين ، ومعنى العزة والغلظة عليهم التغلب ، قال ابن عباس : تراهم كالولد لوالده ، وكالعبد لسيده ، وهم فى الغلظة على الكافرين كالسبع على فريسة ، وقرىء بنصب أذلة وأعزة على الحال من قوم ، ولو كان نكرة توصفه بقوله : ﴿ يُحِبُّهُم وَيُحِبُّونَهُ ﴾ .
﴿ يُجَاهِدُونَ فِى سَبِيلِ اللهِ ﴾ : لنصرة دين الله جلا وعلا ، والجملة حال من المستثنى فى أعزة أو نعت آخر لقوم .
﴿ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ﴾ : لا يخافون فى دين نصر الله بأموالهم وألسنتهم وجوارحهم ، لوم من يلومهم ، وكان المنافقون يلومون من يفعل ذلك ممن ضعف ايمانه ، أو لم يرسخ ، أو كان حديث عهد بالاسلام اذا طمعوا فيه ، مثل أن يقولوا : ارفق بنفسك ومالك لئلا تترك ولدك أو أهلك عالة وأرامل ، فمن قوى فى الدين لا يخاف لومهم ، وغير من قوى فيه يخاف لومهم ، وكذلك أخرت الآية المنافقين عن حضيرة الخير ، اذ كانوا يخرجون فى جيش المؤمنين ، ويخافون أولياءهم من اليهود ، فيقصرون عما خافوا لوم اليهود عليه من أعمال الخير ، والجملة نعت آخر لقوم ، أو حال منه ، أو من واو يجاهدون على القول بجواز قرن المضارع المنفى بلا واو الحال ، كون الجملة معطوفة بالواو على يجاهدون أولى .