59
الجزء ٥ · صفحة ٣٠﴿ وما تسقُطُ مِن ورقةٍ إلا يعْلَمها ﴾ أى ما تسقط ورقة من شجرتها إلا يعلمها الله نفسها عينها ، ويعلم سقوطها ، وكم مرة تقلبت فى الهواء حتى وصلت إلى الأرضن وعلى أى جهة وصلت ، ويعلم ما بقى فيها كذلك ، وكم هو ، وهذا نص فى علم جزئى دقيق ، وكذا ما بعده فيكون دليلا وبرهاناً على العلم الكلى الإجمالى فى قوله : ﴿ وعنده مفاتح الغيب ﴾ إلخ وقوله : ﴿ ويعلم ما ﴾ إلخ ، وذكر أولا أنهُ عالم بكل غيب فهو أعلم فى الغيوب ، وذكر بعد ما أنه عالم أيضا بما هو فى البر والبحر ، وهو مما نشاهد بعضه ، ثم ذكر أشياء دقيقة ، وجملة يعلمها حال من ورقة ولو نكرة لتقدم المعنى .
﴿ ولا حبَّةٍ فى ظُلُمات الأرض ولا رَطْب ولا يابِسٍ ﴾ معطوفات على ورقة ، أى ولا تسقط من حبة فى ظلمات الأرض ، ولا من رطب ولا يابس . ﴿ إلا فى كِتابٍ مُبِينٍ ﴾ يتعلق بمحذوف وجوباً حال من حبة ورطب ويابس ، كقولك : ما جاء زيد إلا راكباً ولا عمرو إلا مسروراً ، فهو من العطف على معمولى عامل واحد ، لأن من صلة للتأكيد ، وإن اعتبرتها صح ، وكان عطفا على معمولى عاملين ، لكن المعمول الأول المعطوف عليه ، والمعمول الأول المعطوف عمل فى كل منهما عاملان . وهما من إذ عملت فى لفظ ورقة ولفظ حبة وتسقط ، إذ عمل فى تقدير ورقة وتقدير حبة هذا تحقيق المقام فى ما ظهر لى .
ويجوز وجه آخر ، هو أن يعتبر قوله : ﴿ ولا حبة فى ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس ﴾ فى نية التقديم على قوله : ﴿ إلا يعلمها ﴾ ففى هذا الوجه يعود ضمير النصب فى يعلمها إلى ورقة وحبة ورطب ويابس ، لا إلى ورقة فقط كما فى الوجه الأول ، فالتقدير : وما تسقد من ورقة ولا حبة فى ظلمات الأرض ، ولا رطب ولا يابس إلا يعلمها فى كتاب مبين ، فيكون قوله : ﴿ إلا فى كتاب مبين ﴾ بدل كل من قوله : ﴿ إلا يعلمها ﴾ إن فسرنا الكتاب المبين بعلم الله تعالى ، أو بدل اشتمال إن أريد به اللوح المحفوظ ، واختيار الفحر أنه علم الله تعالى ، وقرئ برفع حبة ورطب ويابس عطفاً على تقدير الرفع فى ورقة ، أو هو مبتدأ خبره فى كتاب ، وفى هذا الوجه خاصة ليس معنى ﴿ ولا حبة ﴾ إلخ أن سقوطها ثابت فى كتاب مبين ، بل جميع شأن الحبة ما بعدها فى كتاب مبين ، ولا شئ أخفى من حبة فى ظلمات الأرض وهى داخل الأرض لصغر الحبة وسعة ظلمات الأرض ، ولا يخرج شئ من المخلوقات عن الرطب واليابس ، فذلك كله تقدير لقوله : ﴿ عنده مفاتح الغيب ﴾ و ﴿ فى ظلمات الأرض ﴾ نعت لحبة ، وسمى داخل الأرض ظلمة مع أنه لا هواء فى الأرض ، بل جسم منضم ، لأن داخل الجسم غير الأجوف ، ظلمة ، لأنه لا نور فيه ، ولأنه لو كان أجوف لكانت فيه ظلمة .