158
الجزء ٥ · صفحة ٢٠٥وإن قيل : كيف ينزل عيسى بعد طلوع الشمس ، وهو يؤمر بقتل اليهود والنصارى ، ولا يقبل منهم إلا الإسلام والتوبة لا تقبل يومئذ؟
قلت : لعله يؤمر بدعائهم إلى الإسلام ، ولو كان لا ينفعهم تعبد ، فإما أن يؤمنوا ولا يقبل عنهم ، وإما أن يقتلهم ، ويحتمل أن يكون عدم قبول التوبة مؤجلا ، ينزل عيسى فإذا نزل قبلت توبة من تاب على يديه ، ويحتمل أن يتأخر للمؤمنين نزوله حتى يموت من شاهد طلوعها من المشركين .
﴿ يَومَ يأتى بعضُ آيات ربِّك لا ينْفعُ نفساً إيمانُها لم تكن آمَنت مِنْ قَبلُ أو كَسبتْ فى إيمانهم خيراً ﴾ يوم متعلق بينفع ولا صدر للا النافية غير العاملة عمل إن أو كان ، وقرئ برفع يوم على الاتبداء ، والخبر لا ينفع نفسا إيمانها ، والرابط محذوف ، أى لا ينفع نفسا إيمانها فيه ، أو لا ينفع نفسا إيمانها بعد حضوره ، وبعض آيات ربك هو بعض آيات ربك المذكور قبل ، فالإضافة للعمل الذكرى ، وقيل : بعض آيات ربك هو جميع آيات الساعة أولا ، وبعض آيات ربك آخراً هى التى لا تقبل بعدها توبة ، وجملة لم تكن آمنت نعت لنفس ولو فصل بالفاعل ، لأن عاملها واحد ، أو حال من ضمير الخفض فى إيمانها ، ولو كان مضافا إليها ، لأن المضاف مصدر والمصدر يعمل كالفعل ، وجملة كسبت معطوف على آمنت ، فهو يسلط عليه النفى ، أى لم تكن آمنت من قبل إتيان بعض آيات ربك ، أو لم تكسب فى إيمانها خيرا ، وقد آمنت فإذا ظهرت الآية لم تقبل توبة المشرك ولا توبة الفاسق ، وهو حجة لنا فى كون الفاسق لا يكفيه إيمانه إن مات مصرا ، سواء جعلنا الآية معاينة ملك الموت أو أمرا من أمور الآخرة أو جعلناها طلوع الشمس .
أما إذا جعلناها المعاينة فظاهر ، وإذا جعلناها الطلوع فالعبرة بعموم اللفظ ، سلمنا أنه لا عموم ، فالعبرة بالعلة ، فإن العلة فى عدم قبولها بعد الطلوع أن التوبة هنا ، ولإيمان كالإيمان ، والتوبة قهراً وإلجاءً ، وهذه العلة موجودة فى المعاينة ، كما لا ينفع إذا عاينوا العذاب ﴿ إلا قوم يونس لما آمنوا ﴾ الآية ، لأنه ليس إيمان اختيار ولا توبة اختيار ، فكيف يثاب عليها؟ وإلا قبلت من ميت ، ومن وافى المحشر ممن لاتباعه مخلوق عليه ، أو ممن عليه تباعته ، فيخلص الله عليه ، ولو أتيت فى الدنيا ، ويتعذر عليه الخلاص فيها ، وليس ذلك واقعا .
وإن قلت : أو فى ساق النفى بمعنى الواو ، فيكون المعنى لا ينفع الإيمان نفسا جامعة بين عدم الإيمان وعدم كسب الخير فى الإيمان؟
قلت : هذا لو سلم ، فإنما هو مع قيام دليل كقوله تعالى : ﴿ ولا تطع منهم آثما أو كفوراً ﴾ ولا دليل هنا ، فيجب إبقاء أو على أصلها ، بل قام الدليل على إبقائها مثل ولم يلبسوا إيمانهم بظلم ، فلم يكن معنى الآية لم تؤمن ولم تكسب خيراً ، فلم يكن معنى الآية نفسا جمعت بين عدم الإيمان وعدم كسب الخير ، فضلا عن أن يقال : يفهم منه أن التى خلت من عدم كسب الخير فقط ، ولم تخل عن الإيمان ينفعها إيمانها ، مع أن الإيمان إذا انتفى لزم انتفاء كسب الخير ، لأنه لا خير مع شرك ، فكيف يقال : جمعت بين عدم الإيمان وعدم كسب الخير فى الإيمان ، فما هذا إلا بسط كلام وتصريح باللازم ، وإبهام أن ثم إيمانا ، لكن لا كسب خير فيه ، مع أن فرض الكلام فى عدم الإيمان ، لكن مراد القائل أنه لا إيمان ، ثم فضلا عن كسب الخير فيه ، فالحاصل أن ذلك تطويل بنفى الشئ تصريحا ، ثم نفيه التزاما ، مع أنه قام الدليل على انتفاء الحاجة لذلك ، والتكلف له .