4
الجزء ٥ · صفحة ٣٠٨﴿ أولئكَ ﴾ العالون المرتبة ، الجامعون بين عمل القلب وهو الوجل ، وزيادة الإيمان بتلاوة القرآن ، والتوكل على الله ، وعمل الجارحة وهو إقامة الصلاة والإنفاق ﴿ هُم المؤمنُونَ ﴾ فاجتهدوا أن تكونوا منهم ، ولكن لا يدرى أحد أكان منهم أم لا؟ ولو اجتهاد لأنه لا يدرى أوصل تلك الدرجة عند الله أم لا؟ ولا يدرى بما يختم له ، وهل قبل منه أم لا؟ فلا يقول الإنسان : أنا مؤمن ، ولا أنا مؤمن حتما ، أو حقا أنا مؤمن إن شاء الله كما نقول نحن ، والحسن والشافعى وغيره ، ولا يمكن أبى حنيفة أن يقول بغير ذلك ، لأنه لا به قائل بأن الإنسان لا يدرى الخاتمة والقبول .
وأما ما يحكى عنه من أنه يقال : أنا مؤمن حتما أو حقا ، ولا يجيز إن شاء الله فلعله فيمن قال : أنا مؤمن وأراد أنا مصدق بالله ورسوله وجميع ما جاء به ، ومتعاط لأمور الإسلام ، فإن هذا قطعا لا نقول إن شاء الله كما قال الحسن وغيره ، لأن إن للشك ، وقد علم أن الله سبحانه قد أنعم عليه بالتصديق والتعاطى ، فإن قال هذا المصدق المتعاطى ، أو من علم بالوحى : إنه سعيد إن شاء الله ، فمراده التبرك ، أو سد ذريعة العجب ، وتحصيل الانكسار للنفس ، أو يريد هذا المصدق المتعاطى بالشتراط المشيئة أنه لا يدرى ، لعله يختم له بالشرك والعياذ بالله ، فلعل الخلاف المذكور بين الشافعى وأبي حنيفة لفظى .
وعن سفيان الثورى : من زعم أنه مؤمن حقا ثم لم يشهد أنه من أهل الجنة فقد آمن بنصف الآية ، يريد الرد على من يقول ذلك ، فإن المؤمن حقا له الدرجة عند ربه ، والمغفرة والرزق الكريم ، كما ذكر فى النصف الآخر فكما لا يقطع بالدرجة والمغفرة والرزق لا يقطع بأنه مؤمن ، وورد مثل هذا الرد عن ابن مسعود إذ قالت له جماعة منهم علقمة : لقينا قوما فى سفر فقلنا : من القوم؟ فقالوا : المؤمنون حقا ، فلم ندر ما نجيبهم ، فقال : هلا قلتم أمن أهل الجنة أنتم؟
قال جار الله : حكى أنه قال أبو حنيفة لقتادة : لم تستثنى فى إيمانك؟ قال : اتباعا لإبراهيم فى قوله : « والذى أطمع أن يغفر لى خطيئتى » فقال : هلا اقتديت به فى قوله : ﴿ أو لم تؤمن قال بلى ﴾ انتهى ، فانقطع قتادة ، قيل : وله أن يقول : قد قال بعد قوله : ﴿ بلى ولكن ليطمئن قلبى ﴾ فطلب مزيد الطمأنينة .
﴿ حقًّا ﴾ نعت لمصدر محذوف ، أى إيمانا حقا أى ثابتا راسخا ، أو مفعول مطلق مؤكد لمضمون الجملة قبله ، وذلك أن الخفية تعلم من مجرد إخبار الله ، فيذكر لفظ حقا تأكيد وعامله محذوف ، اى أحقه حقا من حق المتعدى بالهمزة ، أو من حق المتعدى بنفسه .
﴿ لَهم دَرَجاتٌ ﴾ لكل واحد منهم درجات ، أو لكل منهم درجة أى مرتبة بين الدرجتين سبعون سنة بإسراع الفرس المضمر ، وفى الحديث : « بينهما مائة عام » والواحدة تسع العالم وجملتهن سبعون ، أو مائة والارتقاء بقدر الأعمال ، والدخول فى الجنة بالإيمان وقسمة درجات الجنة إلى العددين المذكورين غير قسمة درجات الإنسان الواحد .
﴿ عِنْدَ ربِّهم ﴾ أى فى الآخرة ، وقيل : الدرجات الكرامات ، وعن مجاهد مبلغ أعمالهم فى الدنيا عند الله ﴿ ومغْفِرةٌ ﴾ لذنوبهم ﴿ ورِزقٌ كريمٌ ﴾ حسن واسع دائم وهو رزق الجنة .