هميان الزاد إلى دار المعاد امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

23

الجزء ٥ · صفحة ٣٥٠

﴿ ولَوْ عَلم الله فِيهمْ خَيرا ﴾ سعادة قضى لَهم بها فى الأزل ، وانتفاعا بالآيات والوعظ قضى لهم به فيه ﴿ لأسْمعَهم ﴾ أى الآيات والوعظ سماع تفهم وقبول ، لكن لم يعلم فيهم خيرا فلم يسمعهم ، ونفى علم الخبر اكتفاء بنفى اللازم عن نفى الملزوم ، وذلك أنه لو ك ان فيهم خيراً لعلمه ولا بد .

﴿ ولَوْ أسْمعَهم ﴾ سماع تفهم وقبول فآمنوا ﴿ لَتولَّوْا ﴾ لارتدوا وماتوا على الارتداد ولما سبق عليهم من الشقاوة ﴿ وهُم مُعْرضُون ﴾ عنادا وطيشا ، وهذه القضية الثانية الشرطية مستأنفة أو معطوفة على الأولى ، ولكن عطف على أخرى لا متصلة بالأولى ، بحيث تكونان على طريق القياس الاقترانى والأنتج ، ولو علم فيهم خيرا لتولوا هذا خلف ، لأن من علم الله فيه الخير لا يتولى ويموت على الارتداد ، فليس قياسا اقترانيا ، ولو اتخذ الوسط وهو الإسماع الذى هو جواب لو ، أو الإسماع الذى هو شرط لو ، فى أن المراد بهما معا سماع التفهم والقبول ، ولك أن تجعل ذلك على طريق القياس الاقترانى ، أن تجعل الوسط متحدا كما علمت ، وتجعل الخير بمعنى الإيمان ، والانتفاع مطلقا بمعنى السعادة ، ولا بمعنى الإيمان والانتفاع الذين يموت عليها الإنسان ، أى لو علم الله فى الأزل أنهم يؤمنون ويعملون الصالحات لأسمعهم الآيات والوعظ ، ولو أسمعهم الآيات والوعظ لارتدوا عن ذلك للشقاوة ، فينتج لو علم فيهم الإيمان والعمل الصالح لتولوا عنهما بعد العمل بهما للشقاوة ، والوجه الأول أظهر عندى ، وكلاهما جائزز

هذا ما ظهر لى بعد التأمل ، ثم رأيت ابن هشام أشار إلى الثانى والحمد لله على موافقة علامة ، وأما أن يجعل الوسط مختلفا هكذا لأسمعهم سماع تفهم وقبول ، ولو أسمعهم سماع غير تفهم وقبول فلا يصح عندى ، لأن لو امتناعية ، فيلزم انتفاء إسماعهم سماع غير تفهم وقبول وهو موجود ، لأنه السماع بالأذن ، اللهم إلا إن أريد بهذا الإسماع الذى هو غير سماع تفهم وقبول ، سماع زائد على سماع الأذن غير بالغ درجة النفع ، أو تجعل لو بمعنى إن الشرطية لكن يضعف هذا قرن جوابها بالام ، فإن اللام أصل فى الامتناعية .

وقد أثبت القاضى وابن هشام هذا الوجه الذى هو اختلاف الوسط ، ولم أر من أورد عليهما ما أوردت ، ولا من أجاب بما أجبت ، لكن كلام القاضى محتمل للوجه الأول ، وما ذكرته من جوز كون الكلام على طريق القياس الاقترانى مبنى على التحقيق ، لأنه يكون فى القضايا الشرطية ، كما يكون فى الجملة ، لا كما قال الأخضرى إنه مختص بالقضايا الجملية ، وهو هنا من قضيتين شرطيتين متصلتين .

وقيل : إنهم قالوا أحيى لنا قصيا فإنه كان شيخا مباركا حتى يشهد لك بالنبوة فنؤمن لك ، فالمعنى : لو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم كلام قصى ، بأن يحييه فيتكلم لهم بذلك ، ولو اسمعهم كلامه لتولوا ، والكلام فى هذا القول قابل لما ذكرته ، من أن الكلام على طريق القياس الاقترانى ، وعلى غير طريقه ، وجملة هم معرضون حال مؤكدة لعاملها ، فإن التولى عن الحق ، والإعراض عنه بمعنى ترك اتباعه ، وإن جعل ذلك تمثيلا بمن تولى بجسده أعرض بقلبه ، فليست مؤكدة .

٢٬٣٥٠ / ٧٬٦٨٠