35
الجزء ٥ · صفحة ٣٦٨﴿ ومَا كانَ صَلاتُهم عِنْد البيْتِ ﴾ الكعبة ﴿ إلا مُكاءً ﴾ صفيرا من مكا يمكو كدعا دعاء ، ورغا رغاء ، وبكى بكاء ، وصرخ صراخا ونحو ذلك من الأفعال الدالة على الصوت الثلاثية المفتوحة السين الآتى مصدرها بوزن فعال بضه الفاء وتخفيف العين ، وقال قتادة : المكاء ضرب الأيدى وهو ضعيف ، وليس بخارج عن القياس فى المصدرية لخروج الصوت من الضرب ، وقيل : المكاء الصفير فى الأيدى ، وقرأ إلا مكا بالقصر ، ونسب لأبى عمرو ، والمشهور عنه المد .
﴿ وتَصْدِيةً ﴾ تصفيقا تفعلة من الصدى كزكى تزكرة بتخفيف الياء ، يقال صدى بالتشديد الجبل ونحو تصديه ردد مثل الصوت الذى يلفظ به الإنسان أو غيره ، وذلك أنهم يضربون أيديهم هذا هو المشهور ، وقال قتادة : يضجون ويصيحون بما لا يعنى ، وبما لا معنى له ، وذلك التصدية ، وعلى كل حال فقد شبه صوت تصفيقهم أو صياحهم بالصوت الذى يرده الجبل ونحوه فى عدم النفع ، أو فى كونه لا معنى له ، وربما صاحوا بماله معنى ، لكنه كعدم المعنى لأنه غير معتبر ، ويصح على تفسير قتادة أن يكون من صد يصد بكسر الصاد إذا ضج وصاح ، وهو لازم ضعف للمبالغة فعيل صدد يصدد بتشديد الدال الأولى فيهما ، أبدلت الثالثة فيهما حرف علة فقيل : صدى يصدى بدال واحدة مشددة ، مثل زكى يزكى ، فالمصدر تصدية كتزكية .
وقال سعيد بن جبير : التصدية المنع ، فأما أن يكون تفسيرا بالواقع من تصفيقهم أو صياحهم فإنه منع عن الصلاة والقراءة ، أو تفسير بالصد الذى هو المنع وهو الصد المتعدى ، شدد المبالغة ، فهو من صده يصده بالضم فعيل صدده يصدده بتشديد الدال الأولى فيهما ، أبدلت الثالثة حرف علة فكان المصدر تصدية كتزكية مثل ما مر .
وروى أنهم كانوا يدخلون أصابعهم فى أشداقهم ، وذلك المكاء ، ويصفرون ، وذلك التصدية ، وفى رواية عن ابن جبير : التصدية منعهم المؤمنين عن المسجد وأمر الدين ، لا بأصوات اللغو ، وعلى كل حال فالمراد بالآية ذكرهم بما يستحقون به العذاب ، ويمتنع به أن يكونوا أولياء الله أو مسجده ، فإن من كانت صلاته الصغير والتصفيق لا يليق وليا له ، وكانوا يعتقدون أن المكاية والتصدية عند البيت صلاة أو دعاء ، وكانوا كما قال ابن عباس : يطوفون بالبيت عراة ، الرجال والنساء مشبكين بين أصابعهم يصفرون فيها ويصفقون ، يعنى قريشا ، وكانوا يتقربون بذلك ، وكان بعض أقوياء العرب يمكو على الصفا فيسمع من جبل حراء وبينهما أربعة أميال .
وإن قلنا : ليسوا متقربين بذلك ، فمعنى كونه صلاة أنهم أبدلوا الصلاة به وجعلوه مكانها ، وقيل : أحدثوا المكاء والتصدية حين جاء النبى والمؤمنون ليشغلوهم به عن الصلاة والقراءة والعبادة ، ونسبه بعضهم لأكثر المفسرين ، وكانوا إذا جاء النبى أو مؤمن يصلى اجتنفه رجلان يمينا وشمالا بالمكاء والتصدية ، وكان نفر من بنى عبد الجار يعارضون النبى A فى الطواف ، يستهزئون به ويدخلون أصابعهم فى أفواههم ويصفقون كما قال مجاهد ، وكان إذا دخل المسجد قام رجلان عن يمينه يصفران ، ورجلان عن يساره يصفقان من بنى عبد الدار كما قال مقاتل .