هميان الزاد إلى دار المعاد امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

9

الجزء ٥ · صفحة ٣٢٧

﴿ إذْ ﴾ بدل من إذ فى قوله ﴿ وإذ يعدكم ﴾ على أن الوعد كان فى وقت الاستغاثة فيما زعم بعض ، أو مفعول لاذكروا محذوفا مستأنفا أو متعلق بيحق أو يبطل ، وزعم بعضهم أنه يجوز تعليقه بيعدكم ﴿ تَسْتَغيثُون ربَّكُم ﴾ وقرأ أبو عمرو فى رواية أبى حاتم بإدغام الذال فى التاء ، واستحسنها أبو حاتم ، والاستغاثة طلب الغوث ، والمراد النصر ، قيل : لما علموا أنه لا بد من القتال أخذوا هم والنبى A يقولون : رب انصرنا على عدوك ، وزعم بعض أن الخطاب للنبى A وحده ، ولفظ الجماعة تعظيم له .

وعن ابن عباس ، عن عمر بن الخطاب رضى الله عنهم : لما كان يوم بدر ، نظر رسول الله A إلى المشركين وهم ألف ، ثم مد يده فجعل يهتف بربه : « اللهم أنجز لى ما وعدتنى ، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد فى الأرض » فما زال يهتف بربه مادا يديه ، مستقبلا للقبلة حتى سقط رداؤه عن منكبه ، فأتى أبو بكر رضى الله عنه ، فأخذ رداءه فألقاه على منكبيه ، ثم التزمه من ورائه وقال : يا نبى الله كفاك منا شدتك ربك ، فإنه سينجز ما وعدك ، وفى ذلك نزل : ﴿ إذ تستغيثون ربكم ﴾ الخ .

وذلك الدعاء فى داخل العريش ، وفيه معه أبو بكر وحده ، وفَّى رواية ابن إسحاق أنه قال : خل بعض مناشدتك ربك ، قيل : قال : خل البعض ، ولم يقل خل الكل ، لأن جهاده فى ذلك الوقت كان الدعاء فقط .

وفى رواية أنه لما رأى كثرة العدو ، ركع ركعتين وأبو بكر عن يمينه وقال فى صلاته : « اللهم لا تخذلنى ، اللهم أنشدك ما وعدتنى » وذلك كله بعد أن عدَّل صفوف أصحابه وأمرهم ونهاهم ، وبينما هو فى العريش مع أبى بكر إذ خفق خفقة ثم انتبه متبسما فقال : « أبشر يا أبا بكر أتاك نصر الله هذا جبريل على ثناياه النقع » الثنايا أربع سنان ، فى مقدم الفم اثنتان من فوق واثنتان من تحت ، و النقع الغبار ، ثم خرج من باب العريش يتلو : ﴿ سيهزم الجمع ويولُّون الدبر ﴾ قال علىّ : قاتلت يوم بدر شيئا من القتال ، ثم جئت إلى رسول الله A أنظر ما صنع ، فإذا هو ساجد يقول : « يا حى يا قيوم » ثم رجعت إلى القتال ، ثم جئت فإذا هو ساجد لا يزيد على ذلك ، ثم ذهبت إلى القتال ، ثم جئت فإذا هو ساجد يقول ذلك ، ففتح الله عليه ، ومات ستة رجال من المهاجرين ، وستة من الخزرج ، واثنان من الأوس ، من المهاجرين ، وستة من الخزرج ، واثنان من الأوس .

وإن قلت : كيف قال أبو بكر خل عنك بعض مناشدتك ربك أو كفاك مناشدتك ربك؟

قلت : أجاب السهيلى نقلا عن شيخه بأن الغالب حينئذ على أبى بكر الرجاء ، وعلى النبى A الخوف ، وقال الخطابى : بالغ فى الدعاء شفقة على أصحابه ، وتقوية لقلوبهم ، إذ علموا أن دعاءه مستجاب ، ولما قال له أبو بكر ذلك كف ، وعلم أنه استجيب له لما وجد أبو بكر فى نفسه من الطمأنينة ، وكان A فى تلك الحال فى مقام الخوف ، وهو أكمل حالات الصلاة ، وجاز عنده أن لا يقع النصر يومئذ ، لأن وعده بالنصر لم يكن معينا لتلك الواقعة ، وإنما قال :

٢٬٣٢٧ / ٧٬٦٨٠