19
الجزء ٥ · صفحة ٣٤٥﴿ إنْ تَسْتفتحوا فقَدْ جَاءكُم الفتْحُ ﴾ إن تطلبوا الفتح يا كفار فقد جاءكم الفتح وهو النصر ، والحكم بينهم وبين المؤمنين ، وذلك تهكم بالكفار ، لأن الفتح جاءهم لكن عليهم لا لهم ، وكان أبو جهل يدعو فى محافل قريش ويقول : اللهم أقطعنا للرحم أتانا بما لا يعرف فأهلكه واجعله المغلوب ، يريد محمدا وإياهم ، وروى أنهم لماعزموا أن يخرجوا إلى حماية العير تعلقوا بأستار الكعبة ، واستفتحوا .
وروى أن أبا جهل قال صبيحة يوم بدر : اللهم انصر أحب الفئتين إليك ، وأظهر خير الدينين عندك ، اللهم أقطعنا للرحم فأحنه الغداة أى أهلكه فى هذه الصبيحة ، وروى أنه قال يوم بدر عند التقاء الجمعين : اللهم أينا كان أهجر وأقطع للرحم فأحِنْه اليوم ، وروى أنهم لما أرادوا الخروج لمنع العير تعلقوا بأستار الكعبة وقالوا : اللهم انصر أقرانا للضيف ، وأوصلنا للرحم ، وأفكنا للعانى ، إن كان محمد على حق فانصره ، وإن كنا على حق فانصرنا .
وروى أنهم قالوا : اللهم انصر أعلى الجندين ، وأهدى الفئتين ، وأكرم الحزبين ، واستفتحوا أيضا حين تصافوا للقتال ، فجاء الأمر على طريق ألزموها أنفسهم ، إذ نصر الله المحق على المبطل ، وعن عكرمة : قال المشركون : والله ما نعرف ما جاء به محمد ، فافتح بيننا وبينه ، ونزل فى ذلك : ﴿ إن تستفتحوا ﴾ الخ .
﴿ وإنْ تنْتَهوا ﴾ عن الكفر والمعاداة والقتال أو عن الاستفتاح فإنه من لازم الكفر والمعاداة ﴿ فَهُو ﴾ أى الانتهاء ﴿ خَيرٌ لكُم ﴾ لتضمنه السلامة من القتل والأسر وعذاب النار ، والفوز بالجنة ﴿ وإنْ تَعُودوا ﴾ للكفر والمعاداة والقتال ﴿ نَعُدْ ﴾ لنصره عليكم ﴿ ولَن تُغْنى ﴾ تكفى ، وقرئ بالياء ، لأن تأنيث الفاعل مجازى وهو فاعل ظاهر ، ولأنه مفصول ﴿ عنْكُم فِئتُكُم ﴾ جماعتكم ﴿ شَيئاً ﴾ من المضار ، أو لن تغنى عنكم فئتكم مضار شيئا من الإغناء ﴿ ولَوْ كثُرتْ ﴾ .
وقيل : الخطاب للمؤمنين ، أى تستنصروا فقد جاءكم النصر ، وإن تنتهوا عن الكسل فى القتال والرغبة عن أمر الله فى الغنائم ، وتنتهوا عن التفاخر بما فعلتم من قبل وغيره فهو خير لكم ، وإن تعودوا إلى ذلك نعد عليكم بالإنكار والتوبيخ أو بتهييج العدو ، ولن نغنى كثرتكم إذا لم يكن الله معكم بالنصر ، وقيل : إن تستفتحوا خطاب للمؤمنين وإن تنتهوا خطاب للكفار مع ما بعده .
وروى أن خبابا قال لرسول الله A ، وهو متوسد بردة فى ظل الكعبة : الا تستنصر لنا؟ ألا تدعو لنا؟ فقال : « قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له حفرة فى الأرض ويجعل فيها ، ويوضع المنشار على رأسه فيشق نصفين ، ويمشط لحم الرجل بأمشاط الحديد لما يصده ذلك عن ذلك ، وليتمنى الرجل هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون »