43
الجزء ٥ · صفحة ٣٨٤﴿ إذْ ﴾ مفعول لاذكر محذوفا كما قال المهدوى ، أو بدل من إذ قبلها ، أو من يوم الفرقان ، أو يوم التقى الجمعان ، أو متعلق بعليم أى يعلم المصالح إذ ﴿ يُريكَهمُ الله فى مَنامِكَ قَليلاً ﴾ من يقولُ الرؤيا الحلمية تتعدى إلى اثنين أصلهما بالمبتدأ والخبر ، فهى عنده هنا متعدية إلى ثلاثة بالهمزة ، فإن يرى مضارع أرى ، فالكاف مفعول أول فضلة فاعل للرؤيا فى المعنى ، والهاء مفعول ثان مبتدأ فى الأًصل ، ومن يقول متعدية إلى واحد فهى عنده متعدية لاثنين بالهمزة ، وقليلا حال ، والمنام مصدر ميمى بمعنى النوم ، أو اسم زمان .
وذلك أن الله سبحانه أرى النبى A المشركين فى منامه قليلا ، فأخبر أصحابه فقالوا : رؤيا النبى A حق فزال خوفهم ، فاجترءوا على العدو وثبتوا ، وحرصوا على اللقاء ، والقلة التى رآها فى المنام بمعنى ضعف حالهم ، وعدم ثباتهم للمؤمنين ، كما تقول فى الشئ الكثير إنه قليل نظرا إلى قلة ثمنه أو منفعته ، أو القلة قلة عدد ، فيكون تأويل رؤياها الانهزام .
وعن الحسن : المنام موضع النوم وهو العينان ، كما قيل للقطيفة : المنامة ، لأنه ينام فيها ، وعليه النقاش ، وحكاه عن المازنى ، قال بعضهم : وعليه فالرؤية فى اليقظة ، قال جار الله إن هذا التفسير المذكور عن الحسن فيه تعسف ، وما أحسب الرواية فيه صحيحة ، عنه وما تلاءم علمه بكلام العرب وفصاحته ، وذلك لأنه خلاف الظاهر والمتبادر ، ولتكرره فى وإذ يركموهم الخ ، لأنه A مخاطب فيه أيضا .
﴿ ولَوْ أراكَهم كَثيراً ﴾ وأخبرتهم ﴿ لَفشِلْتم ﴾ جبنتم عن لقائهم وضعفتم ، والفشل الضعف عن الشئ بعد الشروع فيه ، أو بعد العزم على التلبس به ﴿ ولَتَنازعْتم ﴾ اختلفتم ﴿ فى الأمرْ ﴾ أمر القتال ، فبعض يدعو إلى الإقدام ، وبعض إلى الإحجام ، مثل من تجابذوا شيئا كل ينزعه عن الآخر .
﴿ ولكنَّ اللهَ ﴾ وقرأت فرقة بتخفيف النون مكسورة ، ورفع اسم الجلالة ﴿ سَلَّم ﴾ سلمكم من التنازع والفشل المستلزمين للهزيمة ، أو من الهزيمة لعدم ما يوجب الفشل والتنازع ، وذلك كله نعمة توجب الشكر ﴿ إنَّه عَليمٌ بذاتِ الصُّدورِ ﴾ بالخصلة التى هى صاحبة الصدور ، وهى ما يكون فى الصدور من جراءة وجبن ، وصبر وجزع ، وكفر وإيمان ، وحب الله وغير ذلك ، فيجازى على ذلك ، أو ذات الصدور نفس الصدور ، أى عليم بالصدور نفسها ، فيكون كناية عن علم ما فيها مما ذكره .