هميان الزاد إلى دار المعاد امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

30

الجزء ٥ · صفحة ٣٦٠

﴿ وإذْ يمكُر بكَ الَّذينَ كفَرُوا ﴾ واذكر إذ يمكرون بك ، وزعم بعض أن إذ معطوفة على إذ فى قوله : ﴿ واذكروا إذ أنتم قليل ﴾ وهو سهو ، لأنه لم يقل : وإذ يمكر بك ، وأصل المكر الخديعة والضر فى الحقيقة ، وعن ابن فورك أصله المدافعة على جهة اللعب حتى يوقع فى حفرة ، والمضارع حكاية للحال الماضية بجعلها كأنها حاضرة ، وذلك أن قريشا أرادوا مكره وشرعوا فيه ، وذلك فى مكة ، فنجاه الله ، فذكره ذلك ليشكر .

﴿ ليُثْبتوكَ ﴾ يحبسوك عن الذهاب والتصرف ، بالإيثاق بحبل أو حديد ، أو فى بيت مغلق ، وبه قال السدى ، وعطاء ، وابن أبى كثير ، أو بكثرة الضرب والجرح به ، قاله أبو حاتم ، وبالأول قال ابن عباس ، ومجاهد ، وقد قرأ ابن عباس : ليقيدوك أى يوثقوك ، وقيل : ليسخروك ، قرأ يحيى بن وثاب بفتح الثاء وتشديد التاء حكاه الإمام أبو عمرو الدانى ، وحكاه عنه النقاش ليبيتوك من البيات ، وقيل : هذه ومعناه قريب من معنى قوله :

﴿ أو يقْتلُوك ﴾ لكن التبييت القتل ليلا ﴿ أو يخْرجُوكَ ﴾ من مكة ﴿ ويمْكُرونَ ﴾ يتعاطون ضره خفية ﴿ ويمْكُر اللهُ ﴾ أى يجازيهم على مكرهم ، وسمى الجزاء باسم الذنب ، أو يرد مكرهم عليهم ، أو يعامله معاملة الماكر ، وقد قلد المسلمين فى أعينهم حتى اغتروا بقتلهم ، فكانت الوقعة عليهم ، وذلك فى أمر بدر ، ولا يوصف الله بالمكر إلا مقابلة مكر ، لأنه يوهم الذم ، وذلك وقوف مع الوارد فى صفة الله ، ولم يرد وصف المكر إلا ممع ذكر مكر الإنسان ، وأجيز وصفه به مطلقا استعارة ، كقول على : من وسع عليه فى الدنيا ولم يعلم أنه مكر به فهو مخدوع .

﴿ واللهُ خَيرُ الماكرين ﴾ أى أعظمهم مكرا ، أو زعموا أن فى مكرهم منفعة فأخبر الله أن مكرى أنفع ، أو خرج خبر عن التفصيل أى فى مكر الله من بين مكر الماكرين نفع ، وحكم وعدل ، والآية مدنية بذكير بما وقع بمكة ، عكرمة ، ومجاهد : أنها مكية ، وعن ابن زيد : أنها نزلت عقب كفاية المستهزئين .

قيل : ولعل معنى كونها مكية أن القصة مكية ، وذاك أنه لما سمعت قريش بإسلام الأنصار ومبايعتهم علموا أن رسول الله A وأصحابه يجدون منعة ، ويتفاخم أمرهم ، ويجمعون لحربهم ، وخافوا ذلك ، وذلك بعد موت أبى طالب ، فاجتمعوا فى دار الندوة وهى دار قصى بن كلاب ، وكانوا لا يقضون أمرا إلا فيها ، وكانت للمشاورة فى الحرب وغيرها لا للسكنى ، والندوة الاجتماع ، وحضر فيها رؤسائهم : عتبة وشيبة ابنا ربيعة ، وأبو جهل ، وأبو سفيان ، والمطعم بن عدى ، والنظر بن الحارث ، وأبو البخترى بن هشام ، وزمعة بن الأسود ، وحكيم بن حزام ، ونبيه ومنبه ابنا الحجاج ، وأمية بن خلف ، واعترضهم إبليس فى صورة شيخ فقالوا : من أنت؟ قال : أنا شيخ من نجد ، سمعت باجتماعكم فأردت أن أحضركم ، ولن نعدموا منى رأيا ونصحا ، فقالوا : ادخل ، فدخل .

٢٬٣٦٠ / ٧٬٦٨٠