47
الجزء ٥ · صفحة ٣٩٠﴿ ولا تكُونوا كالَّذينَ خرجُوا من دِيارِهم ﴾ وهم أهل مكة حين خرجوا منها لحماية العير ﴿ بَطراً ﴾ فخرا وكفرانا للنعمة بصرفها فى غير محلها ﴿ ورِئاءَ النَّاسِ ﴾ الرئاء فعال كقتال من الرؤية فهو بالهمزة بعد الراء ، لأن عين راء همزة والألف بعدها زائدة ، والهمزة الآخرة بدل من الباء التى هى لام الكلمة ، وقد تسهل الهمزة الأولى إلى الباء ، أظهروا شجاعنهم وسماحتهم للناس ليثبتوا عليهم وهو شرك صغير ، وقيل : نفاق ، وترك العمل لأجل الناس شرك ، وحقيقة النفاق فى عرف فقهائنا عمل الموحد الكبيرة سرا أو جهرا غير كبيرة الشرك ، ويطلق أيضا على أسرار الشرك ، وإظهار التوحيد ، هذا تحقيق المقام .
نهى الله المؤمنين أن يكون خروجهم إلا شكرا وتواضعا لله ، وإخلاصا له عكس هؤلاء الكفار فى خروجهم ، وزادوا أيضا بطرا ورياء حين بلغوا الجحفة ، أرسل إليهم أبو سفيان : ارجعوا فقد نجت عيركم ورجالكم ، فقال أبو جهل : لا والله حتى نرد بدرا ونشرب الخمور ، وتعزف أى تغنى وتضرب الدفوف القينات ، أى الإماء ، ونطعم من حضر من العرب ، وتسمع بنا العرب ، فلا تزال تهابنا .
وذكر الشيخ هود : أن إبليس آتاهم فى صورة سراقة بن مالك ، فقال : يا قوم لا ترجعوا حتى تستأصلوهم ، وإنى جار لكم من كنانة أن يأتيكم من كنانة ما تكرهون ، والمشهور أن هذا حين الخروج من مكة لا فى الجحفة ، ولعله قاله أيضا فى الجحفة لئلا يستعجل الرجوع مخافة من كنانة ، وتفسير بعضهم البطر فى الآية والرياء بما قالوا وبما فعلوا فى الجحفة ، لا يصح إلا على قول من لم يشترط فى المفعول لأجله اتحاد زمانه وزمان عامله ، فإن بطرا ورياء مفعول لأجلهما ، والثانى بواسطة العطف ، أو على جعلهما حالين مقدرتين على طريق المبالغة ، بأنهم نفس البطر والرياء ، أو على تقدير ذوى بطر ورياء ، أو بطرين ومرائين ، لكن على أن التقدير فى الحال المقدرة يجوز من غير صاحبها ، ولم يجوزه ابن هشام .
قال جار الله : فوافوها يعنى بدرا ، فسقوا كأس المنايا مكان الخمور ، وناحت عليهم النوائح مكان القينات . انتهى ، ولله در ابن جابر الأندلسى إذ قال :
بدا يوم بدر وهو كالبدر حَوله … كواكبُ فى أفْق المواكب تتجلى
وجبريلُ فى جُند الملائك دونه … فلم تغْنِ أعداد العدو المخذلى
رمى بالحصى فى أوجه القوم رميةً … فشرَّدهم مثل النعام المجفَّل
وجادلهم بالمشرفىّ فسلَّموا … فجادله بالنَّفس كل مجدل
عبيدةُ سَل عنْهم وحمزة واسْتَمع … حديثهم فى ذلك اليوم من عَلى
هم عتبُوا بالسَّيف عتبة إذ غدا … فذاقَ الوليدُ الموتَ ليس لَه ولى
وشيبةُ لما شابَ خوفاً تبادرت … إليه العوالى بالخِضَاب المعجَّل
وجال أبو جَهْل فحقق جهله … غداة تردَّى بالرَّدى عن تذلل
فأضحى قليباً فى القليب وقومه … يؤمُّونه فيها إلى شر منهل
وجاءهُم خير الأنام مُوبخاً … ففتَّح من أسماعهم كل مقفل
وأخبر ما أنتم بأسْمع منْهم … ولكنَّهم لا يهتَدون لمقْوَل
سلُوا عنْهم يومَ السَّلا إذ تضاحَكُوا … فعادَ بكاءً عاجلا لم يؤجَّل
ألم يعلَموا علم اليقين بصدْقِه … ولكنَّهم لا يرجِعُون لمعقل
فيا خيْرَ خَلق اللهِ جاهكَ مُلجئٌ … وحبُّك ذُخْرى فى الحساب وموئلى
عَليك صلاةٌ يشْمَل الآل عرفها … وأصْحابك الأخْيار أهل التفضُّل