46
الجزء ٥ · صفحة ٣٨٨﴿ وأطِيعُوا اللهَ ورسولَه ﴾ فى أمر القتال وغيره ﴿ ولا تَنازعُوا ﴾ الأصل تتنازعوا ، حذفت إحدى التاءين ، وقرئ بإثباتهما مع إدغام الأولى فى الثانية اعتمادا على لا قبلها ، والتنازع باختلاف الآراء كما فعلوا بأحد وببدر قبله .
﴿ فَلفْشلُوا ﴾ منصوب بأن مضمرة وجوبا بعد فاء السببية الواقعة فى وجوب النهى ، ولذا عطف عليه بالنصب فى قوله : ﴿ وتَذْهبَ ريحُكُم ﴾ وقرأ هبيرة عن حفص ، عن عاصم بالجزم فى تذهب ، فيكون تفشلوا معطوفا على تنازعوا ، وتذهب معطوفا عليه ، فكلاهما مجزوم ، وكذا قرأ عيسى بن عمرو بالجزم ، لكنه قرأ بالمثنات تحت ، لأن الريح يذكر ويؤنث ، بل تحتمل هذه القراءة التأنيث أيضا كما يقال : طلع الشمس ، وقرأ أبو حيوة بالنصب والمثناة تحت ، ورواه إبان وعصمت عن عاصم ويجوز فى النصب مطلقا أن يكون على أن الواو واو الجمع التى ينصب المضار بعدها ، وفى الجزم مطلقا أن يكون عطفا على تنازعوا ، كأنه قيل : ولا تذهب ريحكم على حد لا أرينك هاهنا ، والجمهور على أن الريح مستعارة للدولة أو النصر ، والقوة استعارة تصريحية أصلية تحقيقية ، فإن الدولة فى تمشى أمرها ونفاذه كالريح هبوبها ونفوذها ، فجعلت الدولة من جنس الريح على طريق مبالغة العرب ، وادعائها ، فأطلق عليها لفظ الريح ، يقال : هبت ريح فلان ، والريح لفلان ، إذ دالت له الدولة ونفذ أمره .
قال الشاعر :
أتنظران قليلا ريث غفلتهم … أم تعدوان فإن الريح للعادى
وقال عبيدة بن الأبرص :
كما حميناك يوم النعب من شطب … والفضل للقوم من ريح ومن عدد
وقال الشاعر الأنصارى :
قد عودتهم ظباهم أن تكون لهم … ريح القتال وأسلاب الذين لقوا
وقال الشاعر :
إذا هبت رياحك فاغتنمها … فإن لكل عاصفة سكونا
وعن زيد بن على : ويحكم رعبكم الذى فى قلوب أعدائكم ، يذهب بأمر الله من قلوب العدو إذا تنازعوا ، ولو لم يعلم العدو بالتنازع ، وقيل : إن علم وإلا فالذاهب قوة المتنازعين ، وقد فسر مجاهد الريح بالنصر والقوة ، وقد ذهبت ريح أصحاب النبى A حين نازعوه يوم أحد ، وفسره السدى بالجراءة والجد ، ومقاتل بالجدة ، وابن زيد وقتادة بالريح الحقيق ، فإن النصرة لا تكون إلا بريح يبعثها الله ، يضرب بها وجوه العدو ، وعنه A : « نصرت بالصباء وأهلكت عاد بالدبور »
قال بعضهم : فالريح فى الآية الصبا إذ بها نصر محمد وأمته ، وقيل : هذا فى غزوة الخندق خاصة ، والمشهور العموم ، وقد خرج أبو داود عن النعمان بن مقرن أنه قال : شاهدت رسول الله A إذا لم يقاتل أول النهار أخر القتال حتى تزول الشمس وتهب الرياح ، وينزل النصر ، قال أبو حاتم فى كتابه ، عن إبراهيم : فتفشلوا بكسر الشين وهذا غير معروف .