2
الجزء ٥ · صفحة ٣٠٦﴿ إنَّما المؤمِنُونَ ﴾ أى الكاملو الإيمان ﴿ الَّذينَ إذا ذُكرَ اللهُ ﴾ فى القرآن وغيره ﴿ وَجلَت ﴾ خافت أو رقت ، أو اقشعرَّت لذكره ، إعظاما له ومهابة من جلاله ، وقرئ بفتح الجيم وهو لغة ، وقرأ ابن مسعود فرقت بتخفيف الراء من الفرق بمعنى الخوف ﴿ قلُوبُهم ﴾ وقيل : الآية فيمن يريد معصية فيقال له : اتق الله فيتركها خوفا من عقابه ، فالخوف على القول الأول خوف الخواص ، وهو خوف إجلال ، وعلى الثانى خوف العصاة ، وهو خوف عقاب ، والمراد باطمئنان القلوب بذكر الله فى الآية الأخرى عدم اضطرابها بالشك فى الله ، والمراد بلينها إلى ذكره فى الأخرى لينها إلى رحمته ورأفته ، فلا منافاة بينهما وبين الآية .
﴿ وإذا تُليَتْ ﴾ قرئت ﴿ عَليهم آياتهُ ﴾ من القرآن ﴿ زادَتْهم إيماناً ﴾ تصديقا بالله ، فإن التصديق القلبى يزيد وينقص بكثرة النظر والأدلة ، وعدم ذلك ، ومعلوم أن ما يزيد بشئ ينقص بفقد ذلك الشئ ، فالإيمان يزيد وينقص ، وقد ذكر بالزيادة فى آيات غير هذه ، فإيمان الصديقين أقوى من إيمان غيرهم ، لأنه لا تعتريه الشبهة ، وهذا هو الحق ، وعليه الأكثر ، ويدل له ما ورد : « لو وزن إيمان أبى بكر بإيمان هذه الأمة لرجح » .
وقال أبو حنيفة : لا يزيد ولا ينقص ، ولا يتفاوت فيه الناس ، وأما زيادة الإيمان ونقصه بعمنى حدوث شئ مما يؤمن به فيؤمن به أو يكفر ، أو بمعنى زيادة عمل شرعى مثل أن تنزل الزكاة فيؤمن بها ، ثم الصوم فيؤمن به ، ومثل أن يصلى ، ثم يصوم ، ومثل أن يسبح ثم يسكت ، وأن يقر بكلمة الإخلاص ، ثم يميط الأذى عن الطريق ، فلا يختلف فى ذلك عاقل .
وأكثر أدلة الفقهاء على زيادة الإيمان ونقصه من هذا القبيل ، وليست بشئ ، وليس كل عالم يحسن الاستدلال ، وإنما يحسنه من مارس المعقول والمنقول ، فتمسك بما قررته لك ، فانك لا تجده مسطرا على هذا التحقيق فى غير هذا الكتاب ، ثم خذ عنى تحقيقا آخر هو أن الإيمان يجوز إطلاقه على مجرد التوحيد وهو التصديق ، كما يطلق على ذلك مع الإقرار والعمل وهو الإيمان الكامل ، لا يدخل أحد الجنة إلا به ، فيشتق منه مؤمن بمعنى موحد ، ومؤمن بمعنى موحد مقر عامل ، ولا نلتفت إلى غير ذلك مما تجده مسطرا ، ولولا أنه لا يجوز لى كتمان علم ظهر لى لاحتماع شروط النظر ما فهمت بذلك مما يخالف غيرى ، وزعم مالك أن الإيمان يزيد ولا ينقص ، واتفقوا على هذا فى حق الأنبياء والملائكة .
﴿ وعَلَى ربِّهم ﴾ لا على غيره ﴿ يتوكلون ﴾ فى جميع أمورهم دنيوية وأخروية ، ومن قسى قلبه من الموعظة ، وعطاء السائل ، وعمل الخير ، فليعمل قرصا من شعير خالص من قمح قبل طلوع الشمس ، ويكتب فيه بقلم فارغ من المداد سبع مرات ﴿ إنما المؤمنون ﴾ إلى ﴿ يتوكلون ﴾ فيرق قلبه بإذن الله .