32
الجزء ٥ · صفحة ٣٦٤﴿ وإنْ قالُوا ﴾ وإنما أسند القول إليهم ، والقائل النظر لما مر ، وقد قيل : إنهم قالوا كما قال ، وقال أنس : القائل هنا أبو جهل ﴿ اللَّهمَّ إنْ كانَ هَذا ﴾ ما يقوله محمد من القرآن والوحى وأنه رسول ﴿ هُوَ الحقَّ ﴾ لفظ هو فصل ، والحق خبر كان ، قال الزجاج : ولا أعلم أحداً قرأ برفع الحق على أنه خبر هو ، و الجملة خبر كان ، وقال جار الله : قرأ الأعمش بالرفع على ذلك ، وأل فى الحق للعهد ، أى الحق الذى يدعيه النبى A ، وهو كونه حقا منزلا لا الحق مطلقا ، لتجويزهم أن يكون حقا غير منزل ، كما اعتقدوا فى أساطير الأولين ، وقيل : أرادوا بأساطير الأولين أكاذيبهم ، وزاد لما ذكرته إيضاحا لقوله :
﴿ مِنْ عِنْدكَ ﴾ وهو حال من الحق ، أو خبر ثان لكان مطلقا ، أو خبر ثان للمبتدأ فى قراءة الرفع فقط ، وروى أنه لما قال النظر : ﴿ إن هذا إلا أساطير الأولين ﴾ قال له النبى A : « ويلك إنه كلام الله » فقال ﴿ اللهم إن كان هذا هو الحقَّ من عندك ﴾ ﴿ فامْطِرْ عَلينَا ﴾ ألْق علنيا كهيئة الأمطار ﴿ حِجارةً ﴾ عقوبة لنا على الإنكار كما فعلت بأصحاب الفيل وبقوم لوط ﴿ مِنَ السَّماءِ ﴾ فائدته مع أن الإمطار لا يكون إلا من المساء ، الإشارة إلى أن الحجارة هى المسوَّمة للعذاب ، المعدة فى السماء ، أو أرادوا مطلق الحجارة ، فقوله : ﴿ من السماء ﴾ تقوية .
﴿ أو ائْتنَا بعذَابٍ أليمٍ ﴾ غير أمطار الحجارة كالإحراق والإغراق ، والخسف والصيحة ، ونحو ذلك مما عذبت به الأمم ، وهذه المقولة أبلغ فى التكذيب من الأولى ، وهم فيها أشد وثوقا حتى إنهم جعلوا حقيقة ما قال رسول الله A كالمحال ، بحيث علقوا بها أحد العذابين ، معتقدين أنها منتفية فضلا عن أن يعذبوا ، وفى ذلك أيضا تهكم منهم بالنبى صلى الله ليه وسلم ومن قال بقوله ، وفى مجرد قولهم : ﴿ إن كان هذا هو الحق ﴾ أيضا تهكم بمن يقول على سبيل الحصر ، إنما يقول A هو الحق .
قال معاوية لرجل من سبأ : ما أجهل قومك حين ملكوا عليهم امرأة ، فقال : أجهل من قومى : قومك إذ قالوا لرسول الله A حين دعاهم إلى الحق : ﴿ إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة ﴾ ولم يقولوا : إن كان هذا هو الحق فاهدنا له ، وما بين نزول الآية فى قول النظر وموته إلا بضعة عشر يوما .