33
الجزء ٥ · صفحة ٣٦٥﴿ وما كانَ اللهُ ليعذِّبهمْ ﴾ هذه اللام مؤكدة للنفى قبلها ، ودالة على أن هذا العذاب استئصال ، قال أبو زيد : سمعت من العرب من يقول : ما كان الله ليعذبهم بفتح اللام وهى لغة غير معروفة ولا مستعملة فى القرآن ﴿ وأنْتَ فيهِم ﴾ إذ من عادة أمر الله وحكمته أن لا يعذب قوما عذاب استئصال ونبيهم أو مؤمنوهم بين أظهرهم على ما مر ، وفى ذلك تنبيه على أنهم أحقاء بعذاب الاستئصال لو لم يكن فيهم ، وهذا وما بعده إلى آخر الآية نزل بمكة ، وقيل : بالمدينة بعد وقعة بدر حكاية لما مضى ، وقيل : نزل هذا بمكة إثر قولهم : ﴿ أو ائتنا بعذاب أليم ﴾ ونزل قوله :
﴿ وما كانَ اللهُ مُعذِّبهم وهُم يسْتغفِرُونَ ﴾ فى طريقه إلى المدينة عند الهجرة ، فهى مدينة ، فإن المدنى ما نزل بعد الهجرة فى أى مكان ، والمكى ما نزل قبلها كذلك ، وهذه إشارة إلى أن سبب إمهالهم ، وعدم إجابة دعائهم على أنفسهم بإمطار الحجارة ، أو بعذاب غيره هو استغفار لهم ، ولولاه ما أثبت النبى A فيهم ، بل يخرجه فيعذبهم ، وكانوا يقولون : غفرانك اللهم ، وكانوا يقولون بعد الفراغ من الطواف : غفرانك غفرانك ، ويقولون : لبيك لا شريك لك ، وقيل لما أمسوا ندموا على قولهم : ﴿ اللهم إن كان هذا هو الحق ﴾ فقالوا : غفرانك اللهم .
وقال الضحاك : المستغفرون هم بقية المؤمنين فيهم بعد خروجه ، حكم عليهم بالاستغفار ، لأن فيهم من يستغفروهم بقية المؤمنين المستضعفة ، وأن ذلك نزل فى مكة ، وقيل عن الضحاك ، وابن عباس ، وأبى مالك : إن الضمير فى قوله : ﴿ وهم يستغفرون ﴾ لهؤلاء المؤمنين الباقين بمكة ، دليل ضعيف بالسياق السابق واللاحق ، وبوجود الاستغفار من الكفر ، وذكر أيضا عن ابن عباس ما ذكرته أولا ، وذكر عنه ، وعن مجاهد ما كان الله ليستأصلهم بالعذاب ، وفيهم من سيسلم فيستغفر .
فهذا الاستغفار من لوازم الإسلام ومسبباته ، حتى أن بعضا فسر هذا الاستغفار بالإسلام ، وفسره بعضهم بالصلاة ، فلوجود من سيسلم فيهم حكم عليهم بالاستغفار من باب الحكم على المجموع ، وبه قال الزجاج ، وفيهم أبو سفيان ، وصفوان بن أمية ، وعكرمة بن أبى جهل ، وسهيل بن عمرو ، وحكيم بن حزام ، وعن مجاهد : المستغفرون ذرية بعضهم ، ونسب الاستغفار إليهم ، لأن ذريتهم منهم ، وعنه وعن عكرمة مولى ابن عباس ، وعن قتادة لا أعذبهم وهم مستغفرون ، أما إذا كانوا غير مستغفرين فسأعذبهم لأنهم غير مؤمنين ، فضلا عن أن يستغفروا وهو قريب من قول بعضهم : إن ذلك جلب لهم إلى الإيمان ، أى أطيعوا حتى لا أعذبكم ، كقولك لعبدك : لا أعذبك وأنت تطيعنى ، تريد منه أن يطيعك فينجو من عذابك ، ويحتمله قوله تعالى : ﴿ وما كان ربك مهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون . ﴾ وعلى كل حال فجملة ﴿ وهم يستغفرون ﴾ حال ، وهى حال مقدرة على القول بأن المعنى سيسلم بعضهم ، و القول بأن المعنى تستخرج منهم ذرية مسلمة ، وفى الحديث عن ابن عباس ، وأبى موسى الأشعرى : « أن الله أنزل علىَّ أمانين لأمتى : ﴿ وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون ﴾ فإذا مضيت تركت فيهم الاستغفار إلى يوم القيامة » قيل : ما من أمة فيها خمسة عشر رجلا من المسلمين يستغفرون إلا رحم الله تلك الأمة .