هميان الزاد إلى دار المعاد امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

24

الجزء ٥ · صفحة ٣٥١

﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمنوا اسْتَجِيبُوا لله والرَّسُول ﴾ انقادوا لهما باطاعة فيما أمركم ﴿ إذا دَعاكُم ﴾ أمركم ، ورجع الضمير إلى الرسول وحده ، لأن أمره أمر الله ، ولأن أمر الله يكون على لسانه ، والاستجابة له استجابة للرسول ، وبالعكس ، وذلك على حد ما مر فى ﴿ ولا تولوا عنه ﴾ والمشهور تعدى استجاب باللام ، وأجاب بنفسه ويجئ بالعكس ﴿ لما يُحْييكُم ﴾ من علوم الدين والاعتقادات والأعمال الحسنة ، فإن العلم حياة للقلب ، والجهل موته كما قال المتنبى من بحر البسيط :

ولا تعجبن الجهول حلته … فذاك ميت وثوبه كفن

والعمل الحسن يورث الحياة الطيبة الدائمة فى الجنة ، وهذه الحياة مفقودة فى أهل النار ، وتفسير الآية على العموم المذكور هو الحق الواضح ، ثم اطلعت والحمد لله على أنه قول مجاهد والجمهور .

وقال ابن إسحاق : المراد بما يجيبكم الجهاد أنه سبب البقاء ، إذ لو تركوه لغلبهم العدو وقتلهم ، ولأن الله سبحانه أعز به المسلمين بعد الذل ، و الحياة تطلق على العزة ، يقال حييت حال فلان إذا ارتفعت ، وقال النقاش : المراد الشهادة لقوله : ﴿ بل أحياء عند ربهم ﴾ وقيل : الإسلام ، و المراد إذا دعاكم لسائر أعماله وأقواله بعد الإيمان ، فلا يلزم منه تحصيل الحاصل كما توهمه بعض من ذكر الإيمان قبله ، ومثل ذلك يأتى فى قول السدى ، إن المراد الإيمان ، وهذان قريبان بما ذكرته أولا على العموم .

ويدل من العموم أنه A مر بباب أبى بن كعب وهو يصلى فدعاه وأسرع بقية صلاته ، وأتى رسول الله A فقال : السلام عليك يا رسول الله ، فقال : « وعليك السلام ما منعك يا أبى أن تجيبنى إذ دعوتك؟ » فقال : يا رسول الله إنى كنت فى الصلاة ، قال : « أفلم تجب فيما أوحى إلىَّ ﴿ استجيبوا لله والرسول إذا دعاكم لما يحييكم ﴾ ؟ » « قال : بلى لا أعود إن شاء الله ، وفى رواية قال : لا جرم لا تدعونى أبدا إلا أجبتك ، رواه مالك بن أنس ، وأبو هريرة .

والذى فى البخارى ومسلم ، أن ذلك وقع مع أبى سعيد بن المعلى أيضا ، وأنه A مر به وهو يصلى فى المسجد ، وفى رواية مر بأبى وهو يصلى ولم يذكر الباب ، ووقع نحو ذلك مع حذيفة ابن اليمانى فى غزوة الخندق ، وإنما أمر A بالإجابة فى الصلاة ، لأن الصلاة إجابة ، ودعاؤه A إجابة ، فلو أجابه لم يخرج عن الطاعة ، وهذا مختص بالنبى A إذا دعا مصليا .

وقيل : لأنه A دعا لأمر لا يحتمل التأخير فوجب عليه أن ينصرف عن صلاته إليه ، وهذا الحكم مستمر إذا كنت تصلى ودعيت لهم لا يحتمل التأخير ، كتنجية الغريق ، وتنجية الإنسان من السبع ، أو من العدو ، أو الحريق ، أو نحو ذلك ، وتنجية ملك لك لا تجد ما تأكل سواه ، أو مال فى ضمانك ، قيل : بل تنجية المال مطلقا ، أورأيت شيئا من ذلك بلا دعاء أحد إياك فانصرف إليه ، ثم عد إلى صلاتك إن لم تحدث ناقضا ولا تتكلم إلا إن لم تجدد الإصلاح إلا بالكلام فتكلم وأعدها ، والقول الأول أشد مناسبة للحديث ، وفى الحديث دلالة على أن الأمر بالوجوب عند الإطلاق وهو مذهبنا .

٢٬٣٥١ / ٧٬٦٨٠