12
الجزء ٥ · صفحة ٣٣٥﴿ إذ يُوحِى ﴾ إذ بدل من إحدى الإذَّات قبلها ، أو متعلق بيثبت ، أو مفعول لاذكر مستأنفا ﴿ ربُّك إلى الملائِكةِ أنِّى مَعَكم ﴾ فى تثبيت المؤمنين وإعانتهم ، والمصدر من خبر إن مفعول يوحى ، وقرأ عيسى ابن عمر فى رواية بكسر الهمزة إجراء بلإيحاء مجرى القول ، أو تقديرا للقول ، وهذا الوحى إلهام أو إرسال بعض الملائكة إلى بعض ﴿ فَثبِّتوا الَّذينَ آمنُوا ﴾ بإلقاء الخير فى قلوبهم إلهاما كما يلقى الشيطان فيها لشر وسوسة ، وبحضور القتال وبالقتال على القول به ، وبالتبشير بالظفر ، يمشى الملك أمام الصف بصورة رجل يعرفونه ويقول : أبشروا فإن الله ناصركم عليهم ، لأنكم تعبدونه ، وهؤلاء لا يعبدونه ، ويقول آخر : ما أرى الغلبة إلا لنا ، ويقول آخر : أقدم يا فلان ، ويقول أحدهم للذى يليه من المؤمنين : لقد بلغنى أن الكفار قالوا : لئن حمل المسلمون علينا لننكشفن ، ولا يختص إيهام الملك باسم اللمة كما يوهم كلام بعضهم لما ورد فى الحديث : « إن لكل من الملك والشيطان لمة » .
﴿ سألْقى فى قُلوبِ الَّذينَ كَفرُوا الرُّعْب ﴾ قال القاضى : هو كالتفسير لقوله ﴿ إنى معكم فثبتوا ﴾ وهو حسن وذلك من جملة ما أوحى إلى الملائكة ، ويجوز أن لا يقصد به التفسير ، وقرئ بضم العين ، وهو قراءة الأعرج بن عامر ، والكسائى ومعناه على القراءتين : الخوف ﴿ فاضْرِبُوا فَوقَ الأعْناقِ ﴾ أى اضربوهم فى أعالى الأعناق وهى مواضع الذبح ، وهى مفاصل ، فيكون الضرب فيها تطييرا للرأس ، وقال عكرمة : اضربوهم فى الرءوس ، فإن الرأس فوق العنق ، وعليه المبرد ، واحتج بالآية على جواز ضرب الكافر فى وجهه ، لأن كلا من الوجه وسائر الرأس هو فوق العنق .
وقال الأخفش : فوق زائد مضاف للمفعول ، وبه قال الضحاك ، وعطية ، وقيل : بمعنى على ، وفى أى موضع من العنق ضرب فقد ضرب على العنق ، وزعم ابن قتيبة أن فوق بمعنى دون ، قال ابن الأنبارى : كانت الملائكة لا تعرف كيف تقتل الآدمى ، فعلمهم الله كيف يفعلون بقوله : ﴿ فاضربوا فوق الأعناق ﴾ .
﴿ واضْرِبُوا منْهم كلَّ بَنانٍ ﴾ أصابع اليدين والرجلين ، فمن ضُرب فى العنق مات أو فى الأصابع لم يتمكن من قبض السلاح ، والقتال به ، ولم يقو على سرعة الانتقال ، لأن أصابع الرجلين تقوى على المشى ، وعن بعضهم أبيح لهم الضرب فى كل موضع ، ولكن خص الموضعان بالذكر لأنهما أبلغ ، وقيل : مثل لهم لمطلق الضرب بالضرب أعلى الجسد وأسفله ، والمراد إدخال كل عضو ، وهذا على أن البنان أصابع الرجلين ، وقيل : المراد أصابع اليدين ، قيل : سميت بذلك لأن بها إصلاح ما أريد عمله باليد ، وقيل : البنان المفاصل من كل عضو ، وعن الحسن البنان الأعضاء وهو جمع بنة أو بنانة ، وذلك على أن الملائكة قاتلت ، ومن قال لم تقاتل جعل الخطاب فى قوله : ﴿ فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان ﴾ للمؤمنين .