هميان الزاد إلى دار المعاد امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

48

الجزء ٥ · صفحة ٣٩٢

﴿ وإذْ زيَّن لَهم الشَّيطانُ أعْمالَهم ﴾ من معادات رسول الله A وغيرها ، والتزيين بالوسوسة أو بالكلام بأن ظهر لهم ، وتكلم فى صورة إنسان ﴿ وقالَ ﴾ بلسانه ﴿ لا غالبَ لكُم اليومَ ﴾ يوم بدر على أن تصوره سراقة كان يوم بدر ، وهذا القول قاله يوم بدر ، أو أراد باليوم الزمان مطلقا الذى هو وقت إرادة الخروج من مكة وما بعده إلى وقت القتال ، على أنه تصور لهم بصورته حينئذ ، وقال هذا القول حينئذ ، ولكم متعلق بمحذوف خبر لا ، واليوم متعلق به أيضا أو بلكم ، أو تعلق أحدهما باسم لا لكان شبيها بالمضاف فيقال لا غالبا ، وأجيز كون لكم لقتاله واليوم ظرف خبرى .

﴿ مِنَ النَّاسِ ﴾ لكثرة عُددكم وعددكم ﴿ وإنِّى جارٌ لكُم ﴾ مانع أن يأتيكم كنانة بما تكرهون ، تقدم أنهم لما أرادوا الخروج لمنع العير ، ذكروا حروبا كانت بينهم وبين بكر بن وائل من كنانة ، حتى كادوا يتركون الخروج خوفا على أموارهم ونسائهم وذراريهم وضعفائهم ، فظهر لهم إبليس فى صورة سراقة بن مالك بن جشعم الشاعر ، وكان من أشراف كنانة ، وهو من بكر بن وائل ، وهم من كنانة فقال لهم : إنى جار لكم من أن يأتوا من خلفكم بما تكرهون ، وزاد بعضهم أنه قال : لا تمرون بحى من كنانة إلا أمدوكم بالخيل والرجال والسلاح ، وذلك قول الجمهور فى الآية .

وقال ابن عباس فيها : إنه جاء إبليس يوم بدر فى جند من الشياطين معه راية فى صورة سراقة فقال لهم : لا غالب لكم اليوم من الناس وإنى جار لكم ، أى ناصر ومصاحب وزين لهم أن جند الشياطين جند من كنانة ، وأن من بقى منهم لا يأتيكم بسوء ، ولما رمى رسول الله A بالقبضة انهزم المشركون ، وأقل جبريل إلى إبليس لعنه الله وكان فى صف المشركين ، يده فى يدى الحارث بن هشام ، انتزع يده منه ثم ولى مدبرا ، وقيل : فعل ذلك لما رأى الملائكة تنزل ، وأن الحارث قال له : أفراراً من غير قتال ، وقيل قال له : اتخذ لنا فى هذه الحال ، فجعل الحارث يمسكه فما أطلقه حتى ضربه فى صدره فوقع فانطلق منهزما مع جندم من الشياطين ، وتصوره تخييل لا تغيير للحقيقة ، لأنه لا قادر على ذلكم إلا الله .

وقال غير الجمهور : إن تزين الشيطان لهم بالوسوسة ، وكذا القول ، قال لهم فى صدورهم : إنكم على الحق أو إن اتباعكم إياى فميا تفعلون من القربات مجير لكم من أن يغلبكم محمد وأصحابه حتى قالوا : إنهم أهدى الفئتين ، ودينهم أفضل الدينين كما مر ، وبذلك قال الحسن ، ولا إشكال فى إمكان وسوسته بذلك ، فبطل قول بعضهم إنه لا يمكن أن يوسوس بقوله : ﴿ إنى جار لكم ﴾ .

٢٬٣٩٢ / ٧٬٦٨٠