هميان الزاد إلى دار المعاد امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

27

الجزء ٥ · صفحة ٣٥٧

﴿ يا أيُّها الَّذينَ آمنُوا لا تخُونُوا اللهَ والرسُولَ ﴾ بإفشاء السر إلى الكفار ، أو بتقويتهم بفعل أو رأى ، أو بتعطيل الفرائض والسنن ، أو بأن تضمروا خلاف ما تظهرون ، أو بالغلول فى الغنائم ، قال الزهرى ، والكلبى ، وعبد الله بن أبى قتادة : نزلت الآية فى أبى لبابة بن رفاعة بن عبد المنذر الأنصارى ، من بنى عوف بن مالك ، إذ قال لبنى قريظة فى حكم سعد : إنه الذبح ، أو فى أمر رسول الله A إنه الذبح ، وتأتى قصته إن شاء الله فى سورة الأحزاب .

وقيل : اسم أبى لبابة مروان ، وقيل : هارون ، وروى أنه قال : والله لا أذوق طعاما ولا شرابا حتى أمرت أو يتوب الله علىَّ ، وربط نفسه بسارية فى المسجد .

وقال السدى : كانوا يسمعون الشئ من رسول الله A فيفشونه ، حتى يبلغ المشركين ، فنزلت الآية .

وقال عطاء بن أبى رباح ، عن جابر بن عبد الله : سببها أن أبا سفيان خرج من مكة ، فأتى جبريل النبى A فقال : إن أبا سفيان فى مكان كذا وكذا ، فقال النبى A لأصحابه : « إن أبا سفيان فى موضع كذا وكذا فاخرجوا إليه واكتموا » فكتب إليه رجل من المنافقين : أن محمدا يريدكم فخذوا حذركم ، قال العلماء : فعلى هذا معنى آمنوا أظهروا الإيمان ، وقد ضعف فى قلوبهم ، أو أسروا الشرك ، ويحتمل أن يخاطب المؤمنين حقا أن لا تفعلوا فعل ذلك المنافق .

وزعم المغيرة بن شعبة فيما ذكر الطبرى ، وجار الله : أنها نزلت فى قتل عثمان ، والمعنى لا تقتلوه ولا تخذلوه ، ولا يخفى مع كونه خطأ وتعصبا أنه بعيد ، وأصل الخيانة النقص ، كما أن معنى الوفاء التمام ، فإنك إذ خنت الرجل فى شئ وقد أدخلت عليه النقص فيه ، واستعمل فى ضد الأمانة لتضمنه إياه ، قال جار الله ، والقاضى : إن النقض خفيته ، وقد قال ابن عباس : المراد خيانة ما يخفى عن أعين الناس من فرائض الله .

﴿ وتخُونُوا أمانَاتِكُم ﴾ عطف على تخونوا ، فهو مجزوم ، ولا تخونوا أماناتكم ، أو عطف مصدره على لفظ الخيانة مقدرا مما قيل : أى لا تكن منكم خيانة لله ورسوله ، خيانة لأماناتكم ، فهو من صوب بأن مضمرة وجوبا بعد الواو فى جواب النهى مثل : لا تكن جلدا وتظهر الجزع ، لكن على معنى أن خيانة الله ورسوله تصاحبها ، وتترتب عليها خيانة الأمانات فبما بينكم ، فاترك الخيانة كلها لا على معنى لا تجمعوا بين الخيانتين ، ولكم إفراد إحداهما ، وهو خلاف المشهور فى نصب الفعل بعد الواو فى الجواب ، فالجزم أولى .

وقد يقال : نهاهم عن الجمع بينهما لأنه أقبح ، ولم يرد أن إفراد أحدهما جائز ، وقرأ مجاهد وأبو عمرو بن العلاء فى رواية عنه : أمانتكم بالإفراد وفتح التاء ، وقدر بعضهم المضاف أى وتخونوا ذوى أماناتكم ، وفى الحديث : « أدِّ الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك » فأوقع الخيانة على الإنسان لا على الأمانة .

﴿ وأنتُم تعْلمُونَ ﴾ تعرفون الحسن والقبيح ، أو تعلمون أن على الخيانة عقابا ، أو تعلمون الخيانة وتأتونها عمدا ، أقوال ، والجملة حال على تلك الأقوال وهى مؤكدة على الثالث إذ لا يسمى بالخيانة إلا فى العمد ، وإن أريد مجرد النقص مؤسسة .

٢٬٣٥٧ / ٧٬٦٨٠