هميان الزاد إلى دار المعاد امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

11

الجزء ٥ · صفحة ٣٣٤

﴿ ليَرْبطَ عَلى قُلوبكُم ﴾ يشد عليها بالصبر فتتوصل إلى الوثوق بالله واليقين ، والتشجع على العدو والتثبيت ، ولا حاجة إلى الحكم بزيادة على ، فإنه كما يقال : ربطت الشئ يقال : ربطت عليه ﴿ ويُثبِّت بهِ ﴾ بالماء ﴿ الأقْدامَ ﴾ فلا تسوح فى الرمل أو الماء للربط ، فانه إذا ربط على القلب ثبت القدم فى موطن القتال ، روى أنه A ، نزل قريبا من بدر ، وقد أمطرت السماء غير كثير ، ونزلت قريش بالعدوة القصوى من الوادى ، ونزل المسلمون على كثيب أى تراب متراكم أعفر ، أى مائل إلى البياض تسوخ فيه الأقدام وحوافر الدواب ، وقد سبقهم المشركون إلى ماء بدر فأحرزوه ، وحفروا القليب لأنفسهم .

وأصبح المسلمون بعضهم محدث ، وبعضهم جنب ، وأصابهم الظمأ وهم لا يصلون إلى الماء ، ووسوس الشيطان لبعضهم وقال : تزعمون أنكم على الحق وفيكم نبى الله ، وأنكم أولياء الله ، وقد غلبكم المشركون على الماء ، وأنتم عطاش وتصلون محدثين مجنبين ، وما ينتظر أعداؤكم إلا أن يقطع العطش رقابكم ، ويذهب قواكم ، فينحكموا فيكم كيف شاءوا ، فأرسل الله عليهم مطرا فى الليل أسال منه الوادى ، فشرب المسلمون واغتسلوا وتوضئوا ، وسقوا الركاب وملئوا الأسقية ، وأطفأ الغبار ، ولبَّد الأرض ، حتى ثبتت عليها الأقدام ، وزالت عنهم وسوسة الشيطان ، وطابت أنفسهم فذلك قوله : تعالى : ﴿ وينزل عليكم من السماء ماء ﴾ الآية .

وكانت الأرض التى عليها المشركون تزلق بهذا الماء فقيل : لكثرته فيها ، وقيل : معجزة ماء واحد على قدر واحد فى أرض واحدة ، زلق أرضهم حتى لا يقدروا على الانتقال بسرعة ، ولبد أرض المسلمين ، قال بعضهم : خرج رسول الله A يبادرهم إلى الماء ، فنزل بأدنى ماء بدر ، فقال له الخباب بن المنذر بن الجموح : يا رسول الله أرأيت هذا المنزل منزلا أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخر عنه ، أم هو الرأى والحرب والمكيدة؟ قال : « بل الرأى والحرب والمكيدة » قال : يا رسول الله صلى الله عليك ، فإن هذا ليس بمنزل فانهض بالناس حتى تأتى أدنى ماء من القوم فتنزله ، ثم تغور ما وراءه من القلب ثم نبنى عليه حوضا فتملأه ماء ، ثم نقاتل القوم فنشرب ولا يشربون ، وقال رسول الله A : « لقد أشرت بالرأى » فنهض رسول الله A ومن معه من الناس فسار حتى أتى أدنى ماء إلى القوم نزل عليه ، ثم أمر بالقلب فغورت ، وبنى حوضا على القليب الذى نزل عليه فملئ ماء ، ثم قذفوا فيه الآنية .

٢٬٣٣٤ / ٧٬٦٨٠