هميان الزاد إلى دار المعاد امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

16

الجزء ٥ · صفحة ٣٤١

وروى أن رجلا فر من القادسية فقال لعمر : يا أمير المؤمنين هلكت فررت من الزحف ، فقال ، فقال أنا فئتك ، وعن الحسن : لو أن أهل سمرقند انحازوا إلينا ، ونسأل الله العافية من ذلك لكنا لهم فشة ، وكان أبو بكر وعمر رضى الله عنهما يقولان للجيوش ، إن غلبكم أمر فانحازوا إلينا فإنا فئتكم ، وإنما لم يكن ذلك كبيرة لنية الرجوع إلى العدة وإلى العدو بعدة قوية من القربة مثلا .

﴿ فقدْ باءَ ﴾ رجع ﴿ بغَضَبٍ مِنَ اللهِ ومَأوَاهُ ﴾ مصيره ومرجعه ﴿ جَهنَّم ﴾ وفيه إيماه إلى أن الموضع الذى هرب إليه مثل جهنم فى حقه ﴿ وبِئْس المصِيرُ ﴾ هى ومذهبنا كما تعلم من كلامى أن الفرار من الزحف كبيرة ، وهى موبقة فى كل قتال للمشركين ، ومثله قتال المنافقين ، إلا إن فر تحرفا لقتال ، أو تحيزا إلى فئة قريبة حاضرة للقتال ، أو كان المسلمون أقل من نصف العدو ، وكما قال ابن عباس : ما فر من فر من ثلاثة ، والمراعى فى ذلك هو العدد ، وبذلك قال الجمهور .

وقالت فرقة منهم ابن الماجشون وهو من المالكية : فر أى أيضا العدة والقوة ، فيجوز على قولهم أن تفر المائة من مائة مثلا إذا علمت أن فيها أكثر من ضعفها عدة أو شجاعة ، وذكروا عن أبى سعيد الخدرى ، والحسن ، وقتادة ، والضحاك ، ونافع : أن الآية فى قتال بدر خاصة ، وجد الفرار فى غيرها لأنه تحيز إلى فئة ، وذلك أن النبى A كان معهم يوم بدر ، ولا فئة لهم ينحازون إليها دون النبى A ، ولو انحازوا انحازوا إلى المشركين ، ولأنه أول غزوة غزاها رسول الله A والمسلمون معه .

وكتب عبد الله بن عون إلى نافع يسأله عن الفرار من الزحف فقال : إنما حرم يوم بدر ، فإن صح ما مر عن النبى A وأبى بكر وعمر من قولهم : إنا فئة من انحاء الينا وليسوا فى قتال كان لهم حجة ، وصح لهم تخصيص الآية ببدر ، وإلا فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب .

وأما قوله تعالى فى شأن أحد : ﴿ ولقد عفى الله عنهم ﴾ فما استدلوا به ، ولا دليل فيه لجواز أن يكون المعنى قد عفى عنهم لتوبتهم من الفرار الذى هو كبيرة ، وذكروا أنه إن جاء المسلمين عدوٌّ لا يطيقونه تحيزوا إل البصرة ، وإن جاء ما يغلبهم تحيزوا إلى الكوفة ، وإن جاء ما يغلبهم تحيزوا إلى الشام ، فإن جاء ما يغلبهم تحيزوا إلى المدينة ، فإن جاء ما يغلبهم فلي ثم تحيزٌ ، وصار الجهاد فريضة بعد أن كان دخوله متطوعا ، وأنه ما قبض A حتى كان تطوعا .

٢٬٣٤١ / ٧٬٦٨٠