17
الجزء ٥ · صفحة ٣٤٣« ناولنى قبضة من حصباء الوادى » فرمى بها وقال : « شاهت الوجوه » فلم يبق مشرك إلا شغل بعينيه فانهزموا ، وروى : أن جبريل عليه السلام قال للنبى A : خذ قبضة من التراب ، فأخذ فرماهم بها فما من المشركين أحد إلا أصاب عينيه ومنخريه وفمه تراب من تلك القبضة ، فقولوا مدبرين .
وقال قتادة ، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم : أخذ ثلاث حصيات : فرمى بحصاة فى ميمنة القوم ، وبحصاة فى ميسرتهم ، وبحصاة بين أظهرهم ، وقال : « شاهت الوجوه » فانهزموا مع الحصاة الثالثة ، وقيل : رماهم بالتراب ثلاث مرات : مرة إلى كل جهة من الجهات الثلاث المذكورة من القبضة الواحدة ، ويجوز أن يكون المعنى : وما رميت الرمى الكافى إذ رميت ، ولكن الله رماه ، أو ما رميت بالرعب إذ رميت بالحصباء ، ولكن الله رمى بالرعب فى قلوبهم ، وقد قيل بهذا أو ما أعنت إذ رميت ولكن الله أعان ، والعرب تقول : رمى الله له أعانه وصنع له خيرا .
وقيل : الآية فى طعنة طعنها رسول الله A أبىّ ابن خلف يوم أحد بالحربة ، ولم يخرج منه دم ، فجعل يخور حتى مات ، وحكاه الطبرى ويضعفه أن الآية عليه تكون أجنبية مما قبلها وما بعدها ، وأنها نزلت عقب بدر ، وقيل : إنها فى رمية رماها رسول الله A فى حصن خيبر فسار السهم فى الهواء حتى أصاب ابن أبى الحقيق فقتله فى فراشه ، ويضعفه ما ذكر ، وأن فتح خيبر أبعد من بدر وأحد بكثير ، وأن سبب موت ابن الحقيق غير هذا كما نراه إن شاء الله فى محله ، والحق ما فسرت به الآية أولا وعليه الجمهور .
﴿ وليُبْلى المؤمِنينَ ﴾ يرحمهم بالنصر و الثواب ومشاهدة الآيات ﴿ مِنْه ﴾ من الرمى ، ومتعلق اللام محذوف أى وفعل ذلك ليبلى ، أو العطف على محذوف ، أى ولكن الله رمى ليظهر الدين وليبلى ، ومنه حال من بلاء بعده ، وإن علق ليبلى فمن بمعنى الباء ﴿ بلاء حسًناً ﴾ رحمة حسنة ، ورحمة الله إنعامه ، وبلاء اسم مصدر ، و المصدر إبلاء فقيل : المراد أراد الشهادة لمن استشهد يوم بدر وهم أربعة عشر رجلا منهم : عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب ، ومهجع مولى عمر ، قيل : ومعاذ وعمرو ابنا عفراء ، وذكروا عن رسول الله A : « أفضل الشهداء شهداء بدر وشهداء الأعماق أعماق أنطاكية » قال بعضهم : يوم الدجال كيوم بدر ، ولو قيل : إن الإبلاء هنا على ظاهره هو الاختبار ، لكن حسنا فإنه اختبار حسن لتولد الخير منه كالظفر والغنيمة والاستشهاد ﴿ إنَّ الله سَميعٌ ﴾ لاستغاثتهم ﴿ عَليمٌ ﴾ بنياتهم وأحوالهم .