43
الجزء ٦ · صفحة ١١﴿ عَفَا اللهُ عَنْك ﴾ كناية عن أنه فعل ما ينبغى أن لا يفعله وهو الإذن لهم فى القعود ، كما بينه بقوله : ﴿ لِمَ أذِنْتَ لَهم ﴾ وهذا عتاب وزجر عن المعاودة بعد العفو ، وذلك عتاب على ترك الأولى لا ذنب ، وذلك من اللطف والإكرام بمكان ، بدأ بالعفو قبل ذكر ما عنه العفو ، وقال عمرو بن ميمون الأودى : صدع رسول الله A برأيه فى قضيتين دون أن يؤمر فيهما بشىء : هذه وأمر أسارى بدر فى الفداء ، فعاتبه الله فيهما .
وليس العتاب بعد حصول العفو مستحيلا ، بل مستعمل كثير ، وفائدته تأكيد الزجر والتوقيف على عين لا عن العفو ، كما يعاتب السعيد يوم القيامة ، وقد بشر فى قبره أو عند موته بالجنة ، ذلك هو الذى ظهر لى .
قال الشيخ هود C ، وجار الله ، والقاضى ما حاصله : إن العفو كناية عن أنه لم يصب فى الإذن ، وأن العفو إنما يكون عن ذنب ، وهو من روادف ذلك ، ولا بأس بذلك ، لأن المراد أن إذنه ولو كان غير ذنب لكنه كالذنب فى حقه A ، بل جوز بعضهم الصغائر فى حق الأنبياء ، وقال السعد : أجاز الكثيرون الصغائر على الأنبياء سهوا منهم عليهم السلام ، ولكن فى عبارة جار الله خشونة ، إذ قال : أخطأت وبئس ما فعلت ، وما كان يحسن له أن يعبر بذلك ، وقد راعى الله سبحانه وتعالى مخافته ووقاره بتقديم العفو ، وذكر الإذن المنبىء عن علو المرتبة ، وقوة التصرف ، وأراد الكلام فى صورة الاستفهام ، وإن كان القصد إلى الإنكار .
وقيل : قوله : ﴿ عفا الله عنك ﴾ استفتاح كلام بخير ، كما تقول : أعزك الله ، وأصلحك الله ما فعلت فى أمرى ، ولا ذنب هناك ، أو فيه ترك الأولى ، وفى حديث : « عفا الله لكم عن صدقة الخيل والرقيق » مع أنه لم تلزم صدقة فيهما قط ، بل قال القشيرى : إنما يقول : إن العفو ولا يكون إلا عن ذنب ، ولم يعرف كلام العرب ، وإن معنى : ﴿ عفا الله عنك ﴾ لم يلزمك ذنب ، كما يقال : لا بأس عليك .
وقيل : المعنى عافاك الله ، وقيل : أدام لك العفو كيف يكون إذنه ذنبا ، مع أن ذلك من جنس ما يتعلق إلى اجتهاده فى الحروب ومصالح الدنيا ، قيل : ومع أن الله سبحانه وتعالى قد قال له : ﴿ فأذن لمن شئت منهم ﴾ قلت : بل قال هذا فى المؤمنين ، وآية هذه السورة فى المنافقين .
﴿ حتَّى يتبيَّنَ ﴾ متعلق بمحذوف ، أى هلا توقفت حتى يتبين ، ويجوز أن يكون المراد الزجر عن معاودة مثل ذلك فيقدر لا تأذن لهم ﴿ لَكَ الَّذينَ صدقُوا ﴾ فى اعتذار ﴿ وتَعْلم الكَاذِبينَ ﴾ فيه ، والفريقان منافقون ، وقيل : مختلطون ، والصادقون مؤمنون وهو ضعيف ، بل يجوز ألا يكون فيهم صادق فى اعتذاره أصلا ، ولكن أتى الله بذلك الكلام تتميما للعتاب ، كأنه قال : لم أذنت لهم قبل تبين الصادق لو كان فيهم والكاذب ، وقيل : الذين صدقوا فى أنهم لو لم تأذن لهم لخرجوا معك ، والكاذبين لأنهم لا يعرجون ولو لم تأذن لهم ، وفى كتاب الناسخ والمنسوخ إن قوله سبحانه وتعالى : ﴿ عفا الله عنك لم أذنت لهم ﴾ منسوخ بقوله :