29
الجزء ٥ · صفحة ٤٧٥﴿ قاتِلُوا الَّذينَ لا يُؤمنُون بالله ولا باليَومِ الآخِرِ ﴾ هم أهل الكتاب كما بينه الله بعد ، وهذا من الدلائل القوية على أنهم مشركون ، حيث وصفهم بأنهم لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ، فإنهم ولو أقروا بهما لكن لا كما ينبغى ، فإن اليهود قالوا : عزير ابن الله ، والنصارى قالوا : إن الله ثالث ثلاثة ، فذلك مبطل لإيمانهم بالله ، فإن لفظ الجلالة يتضمن الانفراد بالذات ، والفعل ، والصفة ، وهم عدَّدوه وشبَّهوه ، إذ جعلوه والدا فذلك انكار له ، وإنما صفة الإيمان به ، أن يؤمن به منفردا بذلك ، وقد قالوا : بأنه جسم ، وقالت اليهود خصوصا : إنه أعياه خلق السموات والأرض فاستراح ، والعياء صفة مخلوق ، فقد أخرجوه بهذه الصفة عن الألوهية ، ومن لم يؤمن بالله لم يصح منه الإيمان باليوم الآخر ، فإن الباعث هو الله ، فإذا ألحدوا فيه فكأنهم نسبوا البعث إلى غيره .
ولهم فى البعث أداء كثير كشراء منازل الجنة من الرهبان ، وقالت اليهود : يكونون فى النار أياما معدودة ، فإن البعث على الحقيقة أبعث المكلفين للخلود فى الجنة والنار ، وزعم قوم منهم ، أن نعيم الجنة منقطع ، وقوم أن نعيمها ليس من جنس نعيم الدنيا ، وزعم قوم منهم : إنما تبعث الأرواح دون الأجساد ، وإن أهل الجنة لا يأكلون ولا يشربون ولا ينكحون ، فليس إيمانهم باليوم الآخر حقا كإيمان الموحدين .
وكذلك اختلفت النصارى ، وأيضا هم كافرون برسالة بعض الرسل ، بل أكثر الرسل كنبينا محمد A ، ولبعض الكتب كالقرآن وذلك معارض للإيمان بالله ومناف له ، فأهل الكتاب ، وكل من أنكر حرفا أو رسولا مشرك عندنا ، وقال جمهور المخالفين : ليسوا بمشركين فيما قال بعضهم ، وكذا قال عيسى بن عمير ، وأحمد بن الحسين : إن أهل الكتاب ليسوا بمشركين ، لكن منافقون مع استحلالهما منهم ما حل من المشركين ، وتحريم ما حرم منهم .
وذكر الثعالبى : أن فائدة الخلاف تبين فى فقه منافعهم وذبائحهم وغير ذلك ، قال مجاهد : وعند نزول الآية أخذ رسول الله A فى غزوة الروم ، ومشى نحو تبوك ، ذكر الثعالبى ، وقال الكلبى : نزلت فى قريظة والنضير ، فصالحهم فكانت أول جزية أصابها المسلمون ، وأول ذل أصاب أهل الكتاب بأيدى المسلمين .
﴿ ولاَ يُحرِّمونَ ما حرَّم اللهُ ورسُولُه ﴾ محمد A بالقرآن والسنة ، كالخمر والخنزير ، وقال أبو روق : المراد ما حرم الله فى كتابهم كالتوراة والإنجيل ، ورسول الله الذى زعموا أنهم يتبعونه كموسى وعيسى عليهما السلام ، فهم لم يتبعوا دينهم المنسوخ ، ولا ديننا الناسخ له ، لا فى الاعتقاد ولا فى العمل .
﴿ ولا يَدِينُون دِينَ الحقِّ ﴾ دين الصواب الثابت ، وهو دين سيدنا محمد A ، وإضافته للحق إشارة إلى أنه ناسخ لا ينزل ما ينسخه ، إذ كان الحق بمعنى الصواب الثابت ، وقيل : الحق الله ، أى دين الله ، وهو هذا الدين ، وقيل : دين أهل الحق وهم المسلمون ، ودين مفعول مطلق أو مفعول به ، أى لا يعتقدون دين الحق .