هميان الزاد إلى دار المعاد امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

34

الجزء ٥ · صفحة ٤٨٨

﴿ يا أيُّها الَّذينَ آمنُوا إنَّ كَثيراً مِنَ الأحْبار والرُّهْبان لَيأكُلون أمْوالَ النَّاسِ بالبَاطِلِ ﴾ كالرشوة فى الحكم ، والتخفيف فى الشريعة ، والمسامحة فيها لجهلائهم ، وأكابرهم وكتابة خلاف ما قال الله ، مع قولهم : إنه من الله ، وتحريف التوراة ، وصفات النبى فيها ، والتفسير بمعان باطلة ، يأخذون المال فى ذلك ، ويأخذونه على رسم البِيع والكنائس ، وعلى رسم حماية ، الدين ، والقيام به ، ويستأثرون به ، فذلك أكل المالى بالباطل .

وإنما عبَّر عن أخذ المال بأكله ، لأن الأكل هو الغرض الأعظم فى الأخذ ، أو لأن الأخذ سبب للأكل ، والأكل مسبب عنه ، أو لشبه الأخذ بالأكل ، لأن كلاًّ منهما تغييب للمال ، أو لأن منها ما يؤكل بنفسه ، ومنها ما يباع فيؤكل ما اشترى به ، وقليل منهم لا يفعلون ذلك ، وهم قليل كانوا قبل مبعث النبى A .

﴿ ويصُدُّون ﴾ يعرضون فى أكلهم ﴿ عَنْ سَبيلِ اللهِ ﴾ دينه ، أو يعرضون عن دين محمد A ، أو يمنعون الناس عنه بذلك التحريف وغيره ، جلبا للمال ، وحرصا على الرياسة ، وهما أصح وأرجح ، والأولى تعميم ذلك فى زمان النبى صلى الله وقبله ، فالأكل بالباطل قبله وفى زمانه ، وكذا الصد عن سبيل الله ممن قبله ، يصد عن أحكام التوراة والإنجيل بفعله ، وقوله : بما يخالفهما وفى زمانه بذلك ، وتغيير صفاته .

﴿ والَّذينَ ﴾ مفعول لمحذوف على الاشتغال ، أى وبشر الذين ، وقرن الفعل المشغول بالفاء لشبه المشغول عنه باسم الشرط ، ويجوز كونه مبتدأ خبره طلب ، وأجاز بعضهم عطفه على واو يأكلون لوجود الفصل ، وتوهم بعض أن هذا لا يجوز إلا بتأكيد الضمير ، فمنعه هنا فإنه يجوز بالفصل مطلقا تأكيدا أو غيره ، ولكن هذا الوجه هنا ضعيف من حيث المعنى يجوز عطفه على كثيرا .

﴿ يَكْنِزُونَ ﴾ والكنز الجمع والادخار والستر ، ويطلق على الحفظ ولو بلا ستر ، والأكثر إطلاقه على الستر ، وليس من شرطه الدفن ، ولو كثر فى المال الدفن ﴿ الذَّهبَ ﴾ يذكر ويؤنث ، وزعم بعض أن الأشهر تأنيثه ﴿ والفِضَّة ﴾ أى يجمعونهما ويدخرونهما ﴿ ولا يُنفِقُونَها ﴾ أى الذهب والفضة ، وأنث الضمير وأفرده ، على أن الاثنين جماعة حقيقة أو مجازا ، ولأن كلا من الذهب والفضة أعداد ، وحمل ودنانير ودراهم ، أو نظر إلى أنهما كنوز أو أموال ، أو الضمير للفضة ، واقتصر عليها لأنها أغلب أموال الناس ، ولدلالة حكمها على أن الذهب أولى بهذا الحكم ، أو يقدر ولا ينفقونها والذهب .

﴿ فى سَبيلِ اللهِ ﴾ طاعته كالجهاد وتصريفها على الفقراء ﴿ فَبشِّرهُم بعَذابٍ أليمٍ ﴾ التبشير تهكم ، كأنه قيل : أقم لهم عذابا أليما مكان الخير الذى يبشر به ، وزعم بعض أن البشارة تطلق على الشر بالقرينة بلا تهكم وبلا تجوز ، والآية فى جمع المال ، وخص الذهب والفضة بالذكر ، لأنهما أكثر يكنز ، ولأن كنزهما دليل على وجود غيرهما ، وكان كنزه محرما ، بل يجب تفريق ما فضل عن الحاجة فى فقراء المسلمين وأمراء الإسلام .

٢٬٤٨٨ / ٧٬٦٨٠