19
الجزء ٥ · صفحة ٤٥٤﴿ أجَعلْتُم سِقايةَ الحَاجِّ ﴾ السقاية مصدر كالوقاية بمعنى السقى ، والحاج جنس الحجيج ، وإنما لم تقلب الياء همزة مع أنها بعد ألف زائدة فى الآخر ، لأن التاء فى هذه الكلمة ليست فى نية الانفصال ، لأن الكلمة بنيت عليها كما قال أبو الفتح ، قال المرادى : فلو كانت هاء التأنيث غير عارضة امتنع الإبدال نحو : هداية وسقاية ، وحكم الواو فى فى ذلك حكم الياء ، لكن رجح أنه حيث وقع الإبدال فإنما أبدلت الواو والياء ألفين ، ثم قلبت الألف همزة لئلا تجمع مع الألف قبلها .
﴿ وعِمارةَ ﴾ مصدر عمر ﴿ المسْجِدِ الحَرامِ ﴾ ليس ذكره كما قد يقال موجبا لأن يراد بالمسجد فيما مر المسجد الحرام ، لأن هذا كلام مستقل فى خصوص المسجد الحرام ﴿ كمَنْ آمنَ باللهِ واليَوْم الآخر وجَاهَدَ فى سَبيلِ اللهِ ﴾ السقاية والعمارة حدثان فلا يشبهان بالجثة ، فيقدر مضاف أول الكلام ، ليكون الكلام من أول الأمر مبنيا على المراد ، أى أجعلتم ذا سقاية الحاج وعمارة الخ أو أهل سقاية إلى آخر .
أو يؤول المصدران باسم الفاعل ، أى جعلتهم ساقى الحاج وعامر المسجد الحرام ، أو يقدر المضاف آخرا ، لأن الآخر نسب بالتغيير ، أى اجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كفعل من آمنَ بالله واليوم الآخر ، وجاهد فى سبيل الله وفعله هو الإيمان ، وهو فعل قلبى والجهاد ، ويؤيد التأويل باسم الفاعل قراءة ابن الزبير ، وأبى وجزة السعدى ، ومحمد بن على ، وأبى جعفر : سقاة الحاج كقضاة ، وعمرة المسجد الحرام كطالب وطلبة بفتحات ، وكذا قرأ ابن جبير ، غير أنه نصب المسجد الحرام على إرادة تنوين عمرة وقرائته من حيث حذف التنوين للساكن تخفيفا شاذة ، والأولى له إثباته مكسورا ، وقرأ الضحاك : سقاية الحاج وعمرة الخ بضم السين وإثبات الياء جمع ساق شاذا وفتح العين والميم جمع عامر مثل ما مر ، ورويت هذه القراءة عن أبى وجزة ، وأبى جعفر أيضا ولا تحتاج هذه القراآت إلى تأويل ولا تقدير .
قيل : إن كفار قريش قالوا لليهود : إنا نسقى الحجيج ونعمر البيت ، أفنحن أفضل أم محمد ودينه؟ فقالت لهم أحبار اليهود : بل أنتم ، فنزلت الآية ، وذكر الطبرى وغيره عن النعمان بن بشير أنه قال : كنت عند منبر النبى A فى نفر من أصحابه يوم الجمعة ، فقال أحدهم : ما أتمنى بعد الإسلام إلا أن أكون ساقى الحاج ، وقال آخر : لا أتمنى بعده إلا أن أكون خادم البيت وعامره ، وقال الثالث : لا أتمنى بعده إلا أن أكون مجاهدا فى سبيل الله ، ورفعوا أصواتهم ، فقال عمر رضى الله عنه : لا ترفعوا أصواتكم عند منبر النبى A ، ولكن إذا صليت الجمعة دخلت فأستفتيه فيما اختلفتم ، ودخل واستفتاه ونزلت الآية مفضلة لمن جمع بين الإيمان والجهاد ، على من جمع بين الإيمان وغيره مما ذكر .