55
الجزء ٦ · صفحة ٢٥﴿ فَلا تُعْجبكَ ﴾ الفاء للسببية ، والخطاب للنبى ، والمراد أمته ، لأنه لا تعجبه زهرة الدنيا ، أو للإنسان أموالهم وأولادهم ، أى لا تعجبك ، لأن فيها حقوقا لم يؤدها ، ولو أنفقوا منها لا يطهرها إذ لم ينفقوا لله ، وأولادهم ربوا بذلك المال ، ويكونون على طريقتهم ، وعلل أيضا بعد ذلك تعليلا مستأنفا لقوله : ﴿ إنَّما يُريدُ اللهُ ليعذِّبهُم بها فى الحَياة الدُّنْيا ﴾ فهى استدراج لهم ، ووبال عليهم ، فلا يحسن لأحد أن تعجبه زينة الدنيا لعلها استدراج إلى بطر وكفر وهلاك ، ولأن النظر إلى من فوقه فى أمر الدنيا سبب للانهماك فى جمعها من حل وغيره ، ولعدم الرضا بالقسم ، واللام صلة التأكيد ، وأضمرت أن بعدها جوازا كما بعد لام التعليل ، والمصدر مفعول يريد ، ويدل ذلك إسقاط اللام بعد ، وإظهار إن فى نظيرها .
وبيان تعذيبهم بها فى الدنيا أنهم يكابدون أموراً عظاما فى شأن أولادهم ، وفى حفظ المال وجمعه ، وهذا ولو كان يحصل أيضا للمؤمن ، لكنه قد علم أنه مثاب على ما يصيبه ، أو ممحوة به خطاياه ، بل هو يعنى بالمال والولد أمر الآخرة ، وقيل : تعذيبهم بها أخذ الزكاة منها ، والنفقة غير مثابين عليها ، وقتل الولد فى الغزو فلا يثاب والده ، وقيل : الرزايا فيهما مطلقا ، وقيل : تعذيب بالمال تعب فى جمعه وحفظه ، وكره إنفاقه والحسرة على تخلفه عند من لا يحمده .
وعن بعضهم الضمير فى بها للأموال ، وقال قتادة ، والكلبى : إن التعذيب فى الآخرة ، وعلى هذه ففى الحياة لا يتعلق بيعذب ، بل بتعجب أو بمحذوف حال من الأموال والأولاد .
﴿ وتَزْهَقَ ﴾ تزحزح بصعوبة ﴿ أنفُسُهم ﴾ أرواحهم ﴿ وهُم كافِرُونَ ﴾ أشغلتهم عن النظر فى أمر الآخرة ، حتى ماتوا على الكفر ، فما لهم بعد ذلك إلا العقاب ، وهذا استدراج فظيع ، والجملة حال ، وزعم بعضهم أنه يجوز أن تكون المراد وتزهق أنفسهم من شدة التعذيب الذى ينالهم ، فلا يلزم كون الجملة حالا .