38
الجزء ٥ · صفحة ٤٩٩﴿ يا أيُّها الذين آمنُوا ما لكُم إذا قِيلَ لَكُم انفِرُوا فى سَبيلِ اللهِ ﴾ أى إذا قال لكم رسول الله A : انتقلوا بسرعة فى سبيل الله للجهاد ، وأصل النفر التنقل من مكان إلى آخر لأمر يحدث ، والمضارع ينفر بكسر الفاء فى بنى آدم ، وبضمها فى الدواب كذا قيل ، تضم وتكسر فيهما ويستعمل أيضا النفر فى مطلق الذهاب ، والخطاب لمن لم ينفر فى غزوة تبوك .
﴿ اثَّاقلْتُم إلى الأرْض ﴾ تباطأتم ، وعدى بإلى لتضمنه معنى الإخلال والميل ، فهو مثل قوله : « أخلد إلى الأرض » وهذا جواب إذا ، وإذا جوابها وشرطها حال من الكاف فى قوله : ﴿ ما لكم ﴾ أو هذا حال وجواب إذا محذوف مدلول عليه به ، وهو بمعنى المضارع لكونه دليل جواب ، والأصل تثاقلتم أبدلت التاء المثناة مثلثة ، وسكنت وأدغمت فى المثلثة بعدها ، فكان أول الكلمة ساكنا ، فجلبت همزة الوصل ، وقد قرأ الأعمش تثاقلتم بتاء مثناة فثاء مثلثة على الأصل ، وقال أبو حاتم : قرأ الأعمش تثاقلتم بمثناتين فمثلثة ، ولا يصح ذلك ، إذ لا تزاد فى أول الماضى تاءان ، وقرىء أثاقلتم بقطع الهمزة مفتوحة على الاستفهام التوبيخى ، وقد سقطت همزة الوصل ، وعلى هذا فجواب إذا محذوف قطعا دل عليه اثاقلتم بهمزة استفهام تقديره : اثاقلتم بهمزة الوصل ، أو أبطأتم أو نحو ذلك ، أو دل عليه ما لكم ، فإنه بمنزلة ما تصنعون .
﴿ أرضِيتُم ﴾ استفهام توبيخ ﴿ بالحيَاة الدُّنيا مِنَ الآخرةِ ﴾ عوض الآخرة ، فمن للبدلية متعلقة بمحذوف حال من الحياة ، أو برضيتم ، والدنيا مؤنث الأدنى ، أى الحياة التى هى قرينة الزوال ، أو دنية خسيسة ، وهو خارج عن التفضيل ، وهذا دليل على أن تثاقلهم كان بسبب حب الحياة ونعيمها ، والمال والأهل والولد والزهد عن نعيم الآخرة .
﴿ فَما مَتاعُ الحيَاةِ الدُّنْيا ﴾ أى إن رضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة ، فليست منفعة الحياة الدنيا التى تتمتعون بها فى الحياة الدنيا ﴿ فى الآخِرةِ ﴾ أى فى جنب الآخرة ومقابلتها ﴿ إلا قَليلٌ ﴾ لنقصانه وتكدره وفنائه ، بخلاف نعيم الآخرة ، وفى متعلقة بنعت محذوف ، أى المعتبرة فى جنب الآخرة ، أو بنسبة الخبر إلى المبتدأ .