28
الجزء ٥ · صفحة ٤٧١﴿ يا أيُّها الَّذينَ آمنُوا إنما المشْرِكُون ﴾ أراد عبدة الأصنام ، وغالب آيات القرآن يكون المشركون فيه غير أهل الكتاب كقوله : ﴿ ولا تنكحوا المشركات ﴾ وقوله : ﴿ والذين أشركوا ﴾ وقيل : أراد أصناف الكفار مطلقا عبد الأصنام ، واليهود والنصارى والصابئين والمجوس ، وقول بعض المتأخرين من أصحابنا : المراد فى الآية عبدة الأوثان فقط ، وإلا لم يصح لأصحابنا الأختلاف فى أهل الكتاب ، لا يشكل لحمل أصحابنا النجاسة فى الآية على نجاسة العين ، لأنه المتبادر .
﴿ نَجَسٌ ﴾ قال أصحابنا جميعا : المراد بالمشركين فى الآية عبدة الأوثان ، وبنجاستهم نجاسة أعيانهم ، لكن لا يتنجس مالقيها إلا إن كانت مبلولة ، أو كان مبلولا ، وكذا قالوا فى المجوس ، وكذلك قال ابن عباس فى عبدة الأوثان : إن نجاستهم لأعيانهم من حيث الشرك ، بل قال الحسن بن صالح ، والحسن البصرى : من مس مشركا أو صافحه فليتوضأ ، ولو كانا يابسين ، وبه قالت الزيدية من الشيعة .
وقيل : المراد بنجاستهم خبث باطنهم بالشرك وسائر الاعتقادات الفاسدة ، وأكثر قومنا على طهارة أبدان المشركين ، بل قيل : اتفقوا عليها ، وقيل : المراد ذمهم وتنقيصهم ، وقيل : إن الخلاف فى المذهب أيضا ، ويحتمل أن يكون المراد أنه يجب أن جتنب عنهم كما يجتنب عن الأنجاس ، أو أنهم لا يتطهرون ولا يتجنبون عن النجاسة غالبا ، قال القاضى : وفيه دليل على أن ما الغالب نجاسة نجس ، قال قتادة ، ومعمر بن رشد : سموا نجسا لأنهم يجنبون ولا يغتسلون ، وإن اغتسلوا لم يجزهم ، وعن قتادة : يجنبون فلا يغتسلون ، ويحدثون فلا يتوضئون .
وأما أهل الكتاب فقال بعض أصحابنا بطهارة أبدانهم ، وبللهم بلا كراهة ، وقيل : بالطهارة مع الكراهة ، وقيل : بالنجاسة ، وذكروا ذلك على الإطلاق ، ولم يقيدوا الخلاف بمن ليس محاربا منهم وهو ظاهر قول القواعد : أن المشرك عند أصحابنا نوعان : كتابى وسواه ، وأن الكتابى فيه اختلاف حيث أدار الكلام على الكتاب ، فقسم المشرك إلى كتابى وغيره ، ولو كان الكتابى المحارب حكمه غير حكم الكتابى الذى ليس محاربا لقسمه إلى ثلاثة أقسام ، وذا أصحابنا المشارقة تذكر الخلاف فى الكتابى مطلقا .
واحتج من قال بالطهارة بقوله تعالى : ﴿ وطعام الذين أوتوا الكتاب حلٌّ لكم ﴾ والطعام عام وقال غير واحد : المراد به الذبائح وهو قول ابن محبوب ويتوضأ عمر من جرة نصرانية ، ويأكل النبى A وصحابته من اللحم الذى أهدته اليهودية .
واحتج من قال بالنجاسة بأن النبى A أمر أن تغسل آنية أهل الكتاب إذا احتج إليها ، ولا حجة فى ذلك لاحتمال أنه أمر بغسلها ، لأنهم يتناولون الأنجاس والمحرمات فيها ، وقيد الشيخ يحيى توفيق الخلاف باكتابى غير المحارب ، وأما المحارب فنجس .
واختلفوا فى ذبيحة المحارب منهم ، والراجح تحريمها عندهم ، وذكر بعض المشارقة فى كتابى غسل يده أنه قيل : طاهرة مالم تعرق ، وقيل : مالم تنشف ، وقال مالك : كل حى طاهر ولو كان عابد صنم أو كلبا أو خنزيرا ، واختلف فى مشرك أو كتابى أو مجوسى أسلم فقيل : يجب عليه الغسل وقيل : لا ، واختلف فى المرتد إذا رجع إلى الإسلام ، وفى التاج : إن ارتد فى نفسه فعليه الغسل والوضوء ، وقيل : الوضوء ، ومن تكلم بما يشرك به ولم يرد به ردة ، ومن حاله إذا علم بخطئه تاب فلا بأس عليه فى زوجته ، ولا غسل قيل عليه ، وقيل : حرمت عليه فى حينه إن كان ذاكرا لما كان منه ، وإن كان منه خطأ ثم نسيه وتاب فى الجملة ولم يدن بذلك ولم يتعمده فقولان انتهى .