31
الجزء ٥ · صفحة ٤٨٤﴿ اتَّخذُوا أحْبارَهُم ﴾ جمع حبر بفتح الحاء ، وهو العالم ، وأما الحبر بكسرها فهو المداد كما فى القاموس ، وهو قول ابن السكيت ، وقال الفراء : سمعت فتح الحاء وكسرها فى العالم ، قال بعضهم : والكسر أفصح ، وقال يونس : لم أحفظه إلا بالكسر ، ومن حفظ حجة على من لم يحفظ .
﴿ ورُهْبانَهم ﴾ جمع راهب وهو الخائف ، وكل من الحبر والراهب يكون فى اليهود والنصارى ، ولو اشتهر أن الأحبار علماء اليهود ، والرهبان أصحاب الصوامع من النصارى ﴿ أرْبابا مِنْ دُون اللهِ ﴾ بأن أطاعوهم فى تحريم ما أحل الله ، وتحليل ما حرم ، فإن التحليل والتحريم إنما يتلقيان من الله ، وإنما بدل الدين ملوك السوء وأحباره ورهبانه ، وبأن سجدوا ، لهم ، فمن أطاعهم فيما ذكر قد اتخذهم أربابا ، من سجد لهم قد اتخذهم أبابا .
قال الفضيل : ما أبالى أطعت مخلوقا فى معصية الخالق ، أو صليت لغير القبلة ، وفسر ابن عباس ، وحذيفة اتخاذهم أربابا بطاعتهم فيما ذكر ، « وذكر عدى بن حاتم أنى أتيت النبى A وفى عنقى صليب من ذهب فقال : » يا عدى اطرح هذا الصليب من عنقك « » فى رواية الطبرى ، وروى غيره : « اطرح عنك هذا الوثن » وفى رواية : « » ألق هذا من عنقك « وسمعته يقرأ ﴿ اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله ﴾ » وفى رواية غير الطبرى سمعته يقرأ سورة براءة ، حتى أتى على هذه الآية ، قلت : إنا لا نتخذهم أربابا من دون الله ، وفى رواية الطبرى « قلت : يا رسول الله كيف ذلك ونحن لم نعبدهم؟ قال : » أليسوا يحلون لكم ما حرم عليكم فتستحلونه ، ويحرمون عليكم ما أحل لكم فتحرمونه؟ « قلت : بلى ، قال : » فتلك عبادتهم « » ولذا فسر الفضيل اتخاذهم أربابا بالعبادة .
وليس هذا الحديث حصرا فى تفسير الآية ، بل تمثيل لها ، فكأنه قال : إن لم تكن يا عدى تعبدهم بالسجود ونحوه فقد عبدتهم باتباعهم فى التحليل والتحريم ، وفى الضياء ، والتاج : من أجاب قيل ناطقا فقد عبده ، فإن كان عن الله فقد عبد الله ، وإن كان عن إبليس فقد عبده ، وعبادته طاعته فيما دعاه إليه من المعاصى . انتهى .
﴿ والمسِيحَ ﴾ عطف على أحبار أو رهبان ، أو يقدر واتخذوا المسيح رباً ﴿ ابنَ مَرْيَم ﴾ بأن جعلوه ابنا لله ، فإذا جعلوه ابنا له فقد أهلوه للعبادة ، بل قال فريق منهم هو أنه كما مر ﴿ وما أمِرُوا ﴾ فى الكتب وسنة الأنبياء ﴿ ليعْبُدوا إلهاً واحداً ﴾ هو الله D ، وأما اتباع الناطق فيما كان عن الله فهو عبادة لله كما مر ، ويجوز عود الضمير للأحبار والرهبان والمسيح ، أى هم مأمورون بعبادة الله وحده ، فكيف يكون أربابا ، فهذا كالدليل على بطلان اتخاذهم أربابا ، واللام للتعليل ، أى وما أمروا بما أمروا إلا ليعبدوا ، أو صلة للتأكيد ، وحذفت إن والباء أى وما أمروا إلا ليعبدوا ، أى إلا بأن يعبدوا .