35
الجزء ٥ · صفحة ٤٩٠﴿ يَومَ ﴾ متعلق بعذاب ، قيل : أو بأليم ، أو متعلق بمحذوف حال من عذاب أو نعت ثان له ﴿ يُحْمى ﴾ أى يوقد ﴿ عَليها ﴾ لا ضمير فى يحمى ، لأن النائب عن الفاعل هو الجار والمجرور ، والكلام فى الضمير فى عليها مثله فى الضمير فى ينفقونها ، وأصل الكلام يوم تحمى بالنار ، أى تحمى تلك الكنوز النار ، ثم جعل الإحماء للنار مبالغة ، فأسند إليه كأنه قيل : يوم تحمى النار ، ثم حذف لفظ النار ، وأنيب الجار والمجرور تنبيها على المقصود ، فذكر الفعل ولم يؤنث ، لأنه لا يؤنث لتأنيث المجرور بحرف غير زائد ، ولا لتأنيث المحذوف النائب عنه غيره ، تقول : مر بهند لا مرت بهند ، ورفع إلى الأمير بنيابة المجرور أو الجار والمجرور ، لا رفعت إلى الأمير ، ولو كان المرفوع الفضة ، وعن ابن عباس ، والحسن : تحمى بالفوقية نظرا إلى أن الأصل تحمى النار .
﴿ فى نَارِ جَهنَّم فتُكْوى ﴾ وقرأ أبو حيوة بالتحتية ﴿ بِها جِباهُهم ﴾ وقرأ قوم جباؤهم بإدغام الهاء الأولى وإشمامها الضم ﴿ وجُنُوبُهم وظُهورهُم ﴾ خصت هذه الجهات والله أعلم ، لأنهم طلبوا بجمع المال وحبسه ، الوجاهة عند الناس ، وأن يكون ماء وجوههم مصونا ويتلقون أيضا أكل الطيبات ، ولإكثار منها حتى تنفخ جنوبهم ، فلذا تكوى جنوبهم ، وطلبوا بذلك أيضا اللباس الناعم يطرحونه على ظهورهم ، فلذا تكوى ظهورهم ، أو لأنهم إذا سئلوا يتبين أثر المنع ، وكراهة الإعطاء فى جباههم ووجوههم بالتعبس ، واجتماع جلدة الجبهة ، واذا كرروا السؤال مالوا بجانبهم إلى جهة غير جهة السائل ، وإن ألحوا ولُّوهم ظهورهم .
وقيل : لأنهم يتعبَّسون عن الفقراء إذا رأوهم ، وإذا جمعهم مجلس مالوا عنهم وولُّوهم ظهورهم ، وزع بعضهم أنها خصت لأنها أشرف الأعضاء الظاهرة لاشتمالها على الدماغ والقلب والكبد ، وزعم بعضهم أنها خصت لأنها أصول الجهات الأربع ، وهى مقادم البدن ومآخره وجنباه ، وقيل : ليس المراد خصوص تلك المواضع ، بل المراد التعميم ، وتلك المواضع ، تمثيل كما تقول : ضربت زيدا الظهر والبطن ، وتريد تعميمه بالضرب .
روى أن الكنوز يوقد عليها فى جهنم حتى تبيض من شدة الحر ، ويبسط جلد صاحبها فيكوى بها ، بكل دينار أو درهم فى موضع على حدة ، حتى لا يمس الدينار أو الدرهم أو الدينار ، كما قال ابن مسعود ، وابن عباس . وعن أبى هريرة : تصفح له صفائح فتكوى بها جبهته وجنبه وظهره ، كلما بردت أعيد عليها الإحماء حتى يقضى بين الخلائق فى يوم كان مقداره خمسين ألف سنة ، وذلك كنزه بنفسه فى الدنيا ، يحضر فى الآخرة ، ثم يدخل معه النار يكوى به ، ويعذب أبدا ، وذلك إن لم يزكه ، ويمثل له أيضا ثعبانا أعظم ذاهب الشعر لكثرة سمه أو لطول عمره ، له نابان يأخذ باللحمتين اللتين تحت الأذنين ويقول له : أنا مالك ، أنا كنزك ، ولعله تارة يكوى بها ، وتارة يمثل ثعبانا أو هذا الذى يمثل ثعبانا سائر ماله الذى تجب زكاته لأنه للتجارة ، ولم يزكه .