هميان الزاد إلى دار المعاد امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

41

الجزء ٦ · صفحة ٨

﴿ انفِرُوا خِفافاً ﴾ بنشاط أو قلة عيال ، أو لركوب أو إقلال سلاح ، أو لصحة أو شباب ، أو فقر أو عدم ضيعة مشغلة ، أو لعزية أو قلة حاشية وأتباع ، أو لمبادرة الخروج بلا ترو ولا استعداد ، أو لعدم شغل ، أو لشجاعة ونحو ذلك مما يمكن به السفر بسهولة ﴿ وثِقالاً ﴾ لعكس ذلك ، ويجوز دخول الغنى بالخفة نظرا إلى أن الغنى تسهل له مؤنة التجهيز والفقر فى الثقل ، ودخول الرجولة فى الخفة ، والركوب فى الثقل ، لأن الراكب يتجهز لمركوبه ولنفسه جميعا ، ودخول الجبان فى الخفة نظرا إلى أن الجبان هين عند العدو ، والشجاعة فى الثقل نظرا إلى شدتها عنده .

والمراد : انفروا على أى حال كنتم ، شهد أبو أيوب الأنصارى المشاهد كلها مع رسول الله A ، ولم يتخلف بعد موته عن غزوة ، فقيل له فى ذلك فقال : سمعت الله سبحانه وتعالى يقول : ﴿ انفروا خفافا وثقالا ﴾ ولا أجدنى إلا خفيفا أو ثقيلا ، قال أبو طلحة : ما أسمع الله عذر أحد ، وخرج إلى الشام فجاهد حتى مات .

وذكر الطبرى ، عن بعض : أنه رأى المقداد بن الأسود بحمص وهو على تابوت صراف ، وقد فضل على التابوت من سمنه وهو يتجهز للغزو فقيل له : لقد عذرك الله ، فقال : أبت علينا سورة البعوث ﴿ انفروا خفافا وثقالا ﴾ وروى سورة البحوث ، قال صفوان بن عمرو : وكنت واليا على حمص ، فلقيت شيخا قد سقط حاجباه على عينيه ، وأهل دمشق على راحلة يريد الغزو ، فقلت : يا عم أنت معذور عند الله ، فرفع حاجبيه فقال : يا ابن أخى استنفرنا الله خفافا وثقالا ، إلا أنه من يحبه يبتليه .

وخرج سعيد بن المسيب وقد ذهبت إحدى عينيه فقيل له : إنك عليل ، فقال : استنفر الله الخفيف والثقيل ، فإن لم يكن القتال فكثرة السواد ، وخفض المتاع ، قال الحسن وعكرمة : ذلك فرض عين ، ثم نسخ بقوله سبحانه وتعالى : ﴿ وما كان المؤمنون لينفروا كافة ﴾ وهو رواية عن ابن عباس رضى الله عنهما .

وقال السدى : نسخت بقوله : ﴿ ليس على الضعفاء ولا على المرضى ﴾ الآية ، « وقال ابن أم مكتوم لرسول الله A : أعلىَّ أن أنفر؟ فقال : » نعم « حتى نزل : ﴿ ليس على الأعمى حرج ﴾ » وقال جار الله : الأمر هنا ندب بالنظر إلى الأعيان ، والنفر فرض كفاية ، ولم يدخل فيه من لا يمكن غزوه كالعمى ، فضلا عن أن ينسخ ، وقد خلف رسول الله A فى هذه الغزوة النساء ، وبعض الرجال فى المدينة .

وقيل : المراد انفروا إذا نفر النبى A ، وقيل : انفروا إذا استغفرتم عند الخوف الشديد ، ودهمكم الأمر من العدو ، وصيح فيكم بالنفير .

﴿ وجاهِدُوا بأموالكُم وأنفُسِكم ﴾ بما أمكن من ذلك ، فالقوى الذى له مال يجاهد بنفسه وماله ، ومن له مال وهو ضعيف لمرض أو غيره ، أو لا يصلح للقتال يجاهد بماله ، بأن يعطى منه ويجهز به من يجاهد بنفسه فقط لفقره ، وقيل : ذلك وصف لأكمل ما يكون فى الجهاد وأنفعه عند الله ، بأن يكون بالنفس والمال معا ، وقد ذكر الأموال لأنها أول مصرف وقت التجهز .

٢٬٥٠٨ / ٧٬٦٨٠